بوانو يرسم خريطة طريق «المصباح» في المعارضة: معركة الكرامة وإسقاط تعثرات اللاتمركز في واجهة الأحداث
هيام بحراوي
مع افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، حدد عبد الله بوانو، القيادي بحزب العدالة والتنمية، ملامح تموقع حزبه في المشهد السياسي المقبل، مؤكداً التوجه نحو ممارسة معارضة وطنية مسؤولة، تربط بين الدفاع عن الثوابت ومراقبة السياسات العمومية، وتضع قضايا الكرامة ومحاربة الفساد وتضارب المصالح في صلب تدخلاتها داخل المؤسسة التشريعية.
وجاءت هذه المواقف في سياق التفاعل مع مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، الذي تناول عدداً من الرهانات المرتبطة بالتنمية الترابية، وتعزيز الأمن الاستراتيجي، وتطوير القطاعات الاقتصادية، وتحديث الشراكات الدولية. وقدم بوانو قراءة لهذه التوجيهات من زاوية الأولويات التي يرى الحزب ضرورة مواكبتها سياسياً ورقابياً، مع التركيز على مدى ترجمتها إلى إجراءات عملية تنعكس على حياة المواطنين.
معارضة تربط الرقابة بقضايا المواطنين
وأكد بوانو أن حزب العدالة والتنمية يتجه إلى تبني معارضة وصفها بالمواطنة والوطنية والمسؤولة، مستنداً إلى التجربة التي راكمها الحزب خلال مشاركته في تدبير الشأن الحكومي، ثم من موقع المعارضة البرلمانية. ويقوم هذا التوجه، وفق التصور الذي عرضه، على الدفاع عن مرجعية الحزب وهويته، إلى جانب ممارسة الرقابة على العمل الحكومي والتصدي للفساد وتضارب المصالح.
وتحتل قضايا التعليم والصحة والحماية الاجتماعية موقعاً أساسياً ضمن الملفات التي يعتزم الحزب التركيز عليها، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالأوضاع الاجتماعية وبانتظارات المواطنين من السياسات العمومية. ويضع هذا الاختيار المعارضة أمام اختبار تحويل المواقف السياسية إلى مساءلة برلمانية تستند إلى المعطيات، وتتبع تنفيذ البرامج، ومناقشة مدى استجابة التدابير الحكومية للحاجات الفعلية.
ولا يقتصر الرهان، في هذا السياق، على إعلان المواقف، بل يمتد إلى كيفية توظيف أدوات الرقابة والتشريع لإثارة الاختلالات ومتابعة الالتزامات الحكومية، مع الحفاظ على الطابع المسؤول للمعارضة الذي شدد عليه بوانو.
اللاتمركز الإداري.. ورش التنمية أمام تحدي التنزيل
وفي قراءته للخطاب الملكي، توقف بوانو عند الجهوية واللاتمركز الإداري، باعتبارهما من الملفات المرتبطة بإعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة المركزية والمستويات الترابية. وأشار إلى وجود تأخر وتعثر في تنزيل ورش اللاتمركز، داعياً إلى مراجعة الاختصاصات وتدقيقها بما يسمح بتوضيح المسؤوليات وتعزيز قدرة الجهات على المساهمة في التنمية.
وتتجاوز أهمية هذا الورش الجانب التنظيمي للإدارة، إذ يرتبط بمدى قدرة المؤسسات الترابية على اتخاذ القرارات المناسبة والاستجابة لحاجات السكان، وتقليص التعقيدات المرتبطة بتعدد المتدخلين. ويظل نقل الاختصاصات وتحديد المسؤوليات وتوفير الوسائل اللازمة للتنفيذ من العناصر الحاسمة في الانتقال من التوجهات المعلنة إلى نتائج ملموسة على المستوى المحلي.
الأمن الاستراتيجي والخيارات الاقتصادية
وشملت قراءة بوانو كذلك مسألة تأمين المخزونات الاستراتيجية من المواد الطاقية والغذائية والدوائية، في ارتباطها بقدرة المغرب على مواجهة التقلبات الخارجية وضمان استمرارية التزود بالمواد الأساسية. ويكتسي هذا المحور أهمية خاصة بالنظر إلى انعكاس اضطرابات الإمدادات والأسعار على القدرة الشرائية، ما يجعل تطوير آليات التخزين وتأمين التوريد جزءاً من رهانات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
كما أبرزت التوجيهات الملكية أهمية قطاعات الماء والطاقة والصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، باعتبارها مجالات يتوقف عليها جانب من التحول الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة. ويطرح إدراج هذه القطاعات ضمن الأولويات تحدي تحقيق التكامل بينها، وربط الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة بتوفير فرص الشغل وتعزيز الإنتاجية، إلى جانب ضمان الأمن المائي والطاقي والغذائي.
الشراكات الدولية والهجرة
وعلى مستوى السياسة الخارجية، توقف بوانو عند التوجيهات المتعلقة بتحديث الشراكات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الشراكة مع إسبانيا، وما يرتبط بها من تعاون في مجال الهجرة. ويضع هذا الملف العلاقات الثنائية أمام ضرورة التوفيق بين المصالح المشتركة والتحديات القانونية والإنسانية والأمنية المرتبطة بتدبير الهجرة.
وتتقاطع هذه المحاور مع النقاش حول دور البرلمان في مواكبة الاختيارات الاستراتيجية، سواء من خلال التشريع أو الرقابة على تنفيذ السياسات العمومية. وبين تأمين الاحتياجات الأساسية وتسريع التنمية الترابية وتطوير الاقتصاد، تتحدد أبرز الملفات التي ستكون موضع متابعة سياسية خلال الولاية الجديدة.