4"][/video]

الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان.. من التوجيهات الاستراتيجية إلى اختبار التنفيذ

معكم 24:

قراءة تحليلية في الخطاب الملكي

لم يكن الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، مجرد محطة دستورية لتدشين الدخول البرلماني، وإنما شكل رسالة سياسية متعددة الأبعاد، حددت ملامح المرحلة المقبلة، ورسمت ملامح العلاقة المنتظرة بين المؤسسات المنتخبة والحكومة الجديدة والمواطنين، في سياق داخلي وإقليمي ودولي تتداخل فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

فمن خلال التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، ووضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، وتسريع تنزيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، إلى جانب مراجعة نموذج التعاون مع إسبانيا في مجال الهجرة، قدم الخطاب تصورا لمرحلة جديدة عنوانها المركزي الانتقال من تراكم المشاريع والإصلاحات إلى قياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين.

وتكمن الأهمية السياسية للخطاب في أنه لا يكتفي بتحديد ما ينبغي إنجازه، بل يثير، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سؤال القدرة المؤسساتية على التنفيذ، ومدى استعداد الحكومة والبرلمان والإدارة الترابية لتحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة.

أولا: افتتاح البرلمان باعتباره لحظة لتحديد الاتجاه السياسي للدولة

يحمل افتتاح الملك للدورة التشريعية الجديدة دلالة تتجاوز البعد البروتوكولي، بالنظر إلى موقع المؤسسة الملكية في البناء الدستوري والسياسي المغربي، وإلى ما تمثله الخطب الملكية من توجيهات استراتيجية مؤطرة لعمل المؤسسات.

ويأتي خطاب 9 أكتوبر في بداية ولاية تشريعية وحكومية جديدة، بما يجعل منه محطة لتحديد الأولويات الكبرى للمرحلة المقبلة، ورسم سقف الانتظارات من الأغلبية الحكومية والمعارضة البرلمانية على حد سواء.

فالملك تحدث عن ظرفية استثنائية حافلة بالفرص، وعن ضرورة أن تشكل الولاية الجديدة منعطفا حقيقيا في مسار المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة. وهذه الصياغة تحمل دلالة سياسية واضحة: المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تكون مجرد امتداد آلي للسياسات السابقة، وإنما يفترض أن تعرف نقلة نوعية في مستوى الأداء والنتائج.

غير أن المنعطف الحقيقي لا يقاس بقوة الخطاب أو بحجم البرامج المعلنة، بل بمدى قدرة المؤسسات على معالجة الاختلالات القائمة، وتوفير فرص الشغل، وتحسين الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وهنا يبرز التحدي الأساسي أمام الولاية الجديدة: كيف يمكن الحفاظ على دينامية الاستثمار والمشاريع الكبرى، مع ضمان أن يشعر المواطن بأن ثمار النمو تصل إليه بصورة عادلة ومنصفة؟

إنها معادلة سياسية واجتماعية تضع الحكومة الجديدة أمام مسؤولية تحقيق التوازن بين طموح الدولة في تعزيز موقعها الاقتصادي والاستراتيجي، وضرورة الاستجابة للانتظارات اليومية للأسر المغربية.

ثانيا: النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.. معادلة الاختبار الحقيقي

من أبرز الرسائل التي تضمنها الخطاب الملكي التأكيد على ضرورة تحقيق الانسجام بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.

وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة في سياق اجتماعي تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن القدرة الشرائية، وجودة التعليم والصحة، وتكافؤ الفرص، وإمكانية الولوج إلى الشغل والسكن والخدمات الأساسية.

فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية استثمارات مهمة في البنيات التحتية والمشاريع الاستراتيجية، وعزز حضوره في قطاعات اقتصادية وصناعية متعددة. لكن التحدي المطروح لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات أو مؤشرات النمو، بل أيضا بمدى انعكاسها على مستوى عيش المواطنين، وقدرتها على تقليص التفاوتات.

ومن هذا المنظور، فإن الجمع بين النمو والعدالة الاجتماعية ليس مجرد اختيار اقتصادي، وإنما ضرورة سياسية لضمان استدامة الإصلاحات وتعزيز الثقة في المؤسسات.

فكلما اتسعت المسافة بين المؤشرات الاقتصادية الإيجابية التي تعلنها المؤسسات والتجربة اليومية للمواطن، ازدادت الحاجة إلى مراجعة طرق توزيع ثمار التنمية، وتحسين استهداف السياسات الاجتماعية، وتطوير آليات تقييم أثر الإنفاق العمومي.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المشاريع الكبرى، بل وضعها ضمن تصور تنموي متكامل يجعل الاستثمار وسيلة لتحسين شروط العيش، وليس غاية مستقلة عن محيطها الاجتماعي.

ومن ثم، فإن نجاح الحكومة الجديدة سيقاس بقدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص شغل مستقرة، ودعم القدرة الشرائية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من ثمار التنمية.

ثالثا: الشباب في صدارة السياسات العمومية.. رسالة تتجاوز الشعارات

أولى الخطاب الملكي أهمية خاصة لقضايا الشباب، داعيا إلى وضعها في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص في التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

ويعكس هذا التوجه إدراكا لأهمية الشباب في مستقبل الدولة والمجتمع، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول مدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للتحولات التي تعرفها تطلعات الأجيال الجديدة.

فالشباب لا ينتظرون فقط برامج معلنة أو مبادرات ظرفية، وإنما يبحثون عن فرص حقيقية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وعن تعليم يفتح أمامهم آفاق المستقبل، وسوق شغل يستوعب كفاءاتهم، ومؤسسات تستمع إلى مطالبهم وتمنحهم إمكانية المشاركة في صناعة القرار.

كما أن تعزيز الثقة لا يمكن أن يتحقق بمجرد الدعوة إليها، بل يتطلب بناء شروطها الواقعية، وفي مقدمتها الإنصاف في الولوج إلى الفرص، ومحاربة الإقصاء، وتطوير التكوين المهني، وربط التعليم بحاجيات الاقتصاد، وتوفير بيئة ملائمة للمبادرة والمقاولة.

ومن هنا، فإن الرسالة الملكية الموجهة إلى الحكومة والمؤسسات المعنية تقتضي الانتقال من مقاربة الشباب باعتبارهم فئة مستهدفة بالبرامج إلى التعامل معهم باعتبارهم فاعلين في التنمية وشركاء في تحديد الأولويات.

ويظل الامتحان الحقيقي هو مدى قدرة الحكومة على ترجمة هذا التوجه إلى سياسات قابلة للقياس، تحدد المسؤوليات والآجال والموارد، وتتيح تقييم النتائج على أساس فرص الشغل المحدثة، ومستوى الإدماج الاقتصادي، وتحسن الولوج إلى التعليم والتكوين.

رابعا: الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.. مركزية القرار تعرقل التنمية

إذا كان الخطاب قد حدد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للمرحلة المقبلة، فإنه شدد أيضا على أن الرهان الحقيقي يتمثل في العمل الميداني، من خلال الوقوف على المشاكل الفعلية لكل منطقة والبحث عن حلول واقعية لها.

وتكشف هذه الدعوة عن أهمية الانتقال من تدبير التنمية انطلاقا من التصورات المركزية العامة إلى تدبير ترابي يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الجهات والأقاليم والجماعات، واختلاف حاجياتها وإمكاناتها.

وقد أكد الملك أن التأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من قدرة المؤسسات على التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

وتكمن الدلالة السياسية لهذه الرسالة في أن استمرار الاختصاصات والموارد الأساسية في المركز، مع مطالبة الجهات بتحقيق التنمية، يخلق فجوة بين المسؤولية والقدرة على الإنجاز.

فالجهة التي لا تتوفر على الموارد البشرية والمالية الكافية، أو التي تنتظر طويلا الحصول على الموافقات الإدارية، لا تستطيع الاستجابة بالسرعة المطلوبة لحاجيات المستثمرين والسكان.

ولهذا، فإن التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، ونقل الصلاحيات والموارد الضرورية إلى الجهات والأقاليم، لا ينبغي أن يظل مجرد ورش إداري، بل يجب أن يتحول إلى مدخل لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمجالات الترابية.

كما أن وضوح الاختصاصات، وتقوية موارد الجهات، وتحسين التنسيق والتعاقد بين الدولة والمؤسسات الترابية، تشكل شروطا أساسية لرفع نجاعة الاستثمار العمومي وتجاوز تداخل المسؤوليات.

غير أن نجاح الجهوية المتقدمة لا يرتبط فقط بنقل الاختصاصات، بل يتطلب أيضا تطوير آليات الحكامة والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول اللامركزية إلى نقل للاختلالات من المركز إلى المستوى المحلي.

وبذلك، يصبح العمل الميداني معيارا للحكم على أداء الإدارة، وليس مجرد توجيه عام، وتصبح النتائج التي يلمسها المواطن في منطقته المقياس الفعلي لنجاح السياسات التنموية.

خامسا: القطاع الخاص والأمن الاستراتيجي.. من الاستثمار إلى السيادة الاقتصادية

ربط الخطاب الملكي المرحلة المقبلة بإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لا سيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، فضلا عن تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.

وتبرز أهمية هذه المحاور في سياق دولي تتزايد فيه تأثيرات الأزمات الجيوسياسية على أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، بما يجعل الأمن الاقتصادي جزءا لا يتجزأ من الأمن الوطني.

فالتحدي الذي تواجهه الدول لم يعد مرتبطا فقط بقدرتها على جذب الاستثمارات، وإنما أيضا بمدى قدرتها على ضمان استمرارية التموين، وتقليص التبعية الخارجية في القطاعات الحيوية، وتطوير إنتاج وطني قادر على مواجهة الاضطرابات الدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية تعكس توجها نحو تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الصدمات الخارجية.

كما أن التركيز على الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي يفتح نقاشا حول ضرورة تحديث النموذج الإنتاجي، ورفع تنافسية المقاولات، وتأهيل الكفاءات، وتطوير البنيات الرقمية.

وفي هذا السياق، دعا الملك القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، من خلال المبادرة والابتكار وخلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

وتحمل هذه الدعوة رسالة واضحة إلى الفاعلين الاقتصاديين مفادها أن دورهم لا ينبغي أن يقتصر على الاستفادة من فرص الاستثمار، بل يتعين أن يشمل الإسهام في خلق القيمة المضافة وتوسيع قاعدة التشغيل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

لكن نجاح هذا التوجه يقتضي أيضا توفير بيئة أعمال شفافة وتنافسية، وتسهيل ولوج المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل والأسواق، وتحسين شروط الاستثمار المنتج، بما يضمن ألا تظل ثمار النمو محصورة في قطاعات أو مجالات محدودة.

سادسا: الشراكة مع إسبانيا.. من تدبير الأزمات إلى إعادة بناء قواعد التعاون

على المستوى الخارجي، خصص الخطاب حيزا مهما للعلاقات مع الشركاء، ولا سيما إسبانيا، في سياق مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة.

وقد أكد الملك أن المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير الهجرة أفضت إلى نتائج ملموسة، لكنه اعتبر أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزا، في ضوء الأزمات المتكررة والتحديات القانونية والقضائية المرتبطة بتدبير بعض الملفات.

كما شدد على أن الشراكة مع إسبانيا، رغم التطورات المهمة التي عرفتها في مجالات متعددة، تواجه تحديات تستدعي مراجعة آليات التعاون، مع رفض إخضاع الشراكة لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.

وتكتسي هذه الرسالة أهمية سياسية ودبلوماسية لأنها تضع التعاون الثنائي أمام ضرورة الانتقال من تدبير الملفات الطارئة إلى بناء قواعد أكثر وضوحا واستدامة، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام الالتزامات.

فالمغرب، الذي يضطلع بدور أساسي في تدبير الهجرة ومراقبة الحدود ومواجهة شبكات الاتجار بالبشر، يطرح ضرورة توزيع المسؤوليات بصورة متوازنة، بما لا يجعل تدبير هذه الظاهرة مسؤولية أحادية الجانب.

وتعكس الدعوة إلى تقديم وثيقة استراتيجية للشركاء توجها نحو تأطير التعاون برؤية أكثر شمولية، تربط بين التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

غير أن التحدي يتمثل في قدرة هذه الرؤية على إنتاج آليات عملية للتنسيق، وتسوية الخلافات، وتجاوز التناقضات القانونية والسياسية التي قد تعطل تنفيذ الالتزامات المتبادلة.

ومن الناحية الاستراتيجية، لا يتعلق الأمر فقط بملف الهجرة، بل بموقع المغرب في محيطه الأوروبي، وبكيفية توظيف مكانته كشريك موثوق لتعزيز مصالحه الوطنية، مع الحفاظ على استقلالية قراره السيادي.

سابعا: الوطنية باعتبارها مسؤولية.. بين الاعتزاز بالمكتسبات وضرورة تصحيح الاختلالات

استحضر الملك في خطابه اعتزازه بمغربيته، مستعيدا موقفا سبق أن عبر عنه من المنبر ذاته سنة 2014، ومؤكدا أن هذا الاعتزاز يزداد قوة ورسوخا مع مرور السنوات.

غير أن أهمية هذا الاستحضار لا تكمن في البعد الوجداني وحده، بل في الربط بين الانتماء الوطني وتحمل المسؤولية، إذ أكد الملك أن الاعتزاز بالوطن ليس من أجل التباهي أو التعبير عن الرضى عن النفس، وإنما هو حافز يحول الانتماء إلى مسؤولية والثقة إلى واجب وطني.

وتقدم هذه الفكرة مدخلا لقراءة أعمق للعلاقة بين الوطنية والأداء المؤسساتي. فالوطنية، وفق هذا المعنى، لا تقاس فقط بالاعتزاز بالهوية أو استحضار التاريخ والمكتسبات، وإنما تظهر أيضا في جودة العمل العمومي، واحترام القانون، وصيانة المال العام، وخدمة المواطنين.

كما أن الاعتراف بما تحقق من إنجازات سياسية ودبلوماسية واقتصادية لا يتعارض مع ضرورة تقييم الاختلالات أو المطالبة بتصحيحها، بل إن تحويل المكتسبات إلى نقطة انطلاق نحو مزيد من الإصلاح هو ما يمنح الاعتزاز الوطني مضمونه العملي.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقع على عاتق مختلف المؤسسات والفاعلين، كل من موقعه، بما في ذلك الحكومة والبرلمان والإدارة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

ثامنا: البرلمان الجديد أمام امتحان المصداقية والوفاء للناخبين

اختار الخطاب الملكي أن يختم بتذكير أعضاء البرلمان بأن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربطهم بالمواطنين.

وتحمل هذه العبارة دلالة مباشرة في سياق انطلاق ولاية تشريعية جديدة، إذ تضع المسؤولية التمثيلية في إطار يتجاوز الفوز في الانتخابات والحصول على المقاعد إلى ضرورة الوفاء للانتظارات التي دفعت المواطنين إلى منح أصواتهم للمرشحين.

فالبرلمان ليس مجرد فضاء للمصادقة على مشاريع القوانين أو منصة للترافع الحزبي، وإنما مؤسسة دستورية يفترض أن تضطلع بالتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، وأن تكون قادرة على نقل انشغالات المجتمع إلى مراكز القرار.

وتزداد أهمية هذه الوظائف عندما تكون المرحلة المقبلة محكومة بانتظارات اجتماعية واقتصادية كبيرة، وبحاجة إلى إصلاحات تتطلب قرارات تشريعية ومواكبة سياسية ومراقبة مستمرة.

ومن هذا المنطلق، فإن الخطاب يضع الأغلبية أمام مسؤولية دعم السياسات الحكومية ومساءلة نتائجها، كما يضع المعارضة أمام ضرورة ممارسة دور رقابي جاد وفعال، قائم على تقديم البدائل ومناقشة الاختيارات العمومية.

أما الأحزاب السياسية، فإنها مطالبة بتجاوز منطق التدبير الانتخابي الضيق إلى بناء علاقة مستمرة مع المواطنين، قوامها الإنصات والتواصل والوفاء بالالتزامات.

ويظل الرهان الأكبر هو استعادة الثقة في العمل السياسي عبر الممارسة، لا عبر الخطاب وحده، وذلك من خلال تشريعات تستجيب للحاجيات الفعلية للمجتمع، ومراقبة برلمانية تتابع التنفيذ، ومحاسبة سياسية تجعل المسؤولية مرتبطة بالنتائج.

تاسعا: الدلالة السياسية للمرحلة.. من إعلان الأولويات إلى قياس النتائج

يمكن قراءة الخطاب الملكي باعتباره محاولة لتحديد الأولويات الكبرى لمرحلة جديدة، تجمع بين تعزيز موقع المغرب الاقتصادي والدبلوماسي، وإعادة ترتيب العلاقة بين النمو والعدالة الاجتماعية، وتطوير الحكامة الترابية، وإعطاء الشباب مكانة مركزية في السياسات العمومية.

لكن الأهم في هذه الرسائل هو ما تضعه من تحديات أمام المؤسسات المعنية بالتنفيذ.

فالتأكيد على ضرورة تسريع الإصلاحات يثير سؤال الزمن الإداري والسياسي، والدعوة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية تطرح سؤال توزيع ثمار التنمية، والتركيز على الشباب يفرض تقييم السياسات التعليمية والتشغيلية، أما التشديد على الجهوية واللاتمركز فيضع الإدارة أمام ضرورة مراجعة طرق اشتغالها وتوزيع اختصاصاتها.

وبالمثل، فإن مراجعة التعاون مع إسبانيا تستدعي الانتقال من المواقف المعلنة إلى صيغ عملية تحفظ المصالح الوطنية وتضمن استمرارية الشراكة على أسس متوازنة.

وهكذا، فإن التحدي ليس في تحديد الأولويات، بل في ترجمتها إلى برامج واضحة، تتضمن أهدافا قابلة للقياس، وآجالا محددة، وموارد مناسبة، وآليات للمراقبة والتقييم.

ومن دون هذه الشروط، قد تظل التوجيهات الاستراتيجية محكومة بالفجوة التقليدية بين وضوح الرؤية وصعوبة التنفيذ.

عاشرا: خطاب يرفع سقف الانتظارات ويضع المؤسسات أمام مسؤولياتها

يؤسس الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان في 9 أكتوبر 2026 لمرحلة تبرز فيها أولوية الفعالية المؤسساتية والنتائج الملموسة، إلى جانب مواصلة المشاريع الكبرى وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية والدبلوماسية.

فقد جمع الخطاب بين رهانات السيادة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتمكين الشباب، وتجاوز اختلالات الإدارة الترابية، وإعادة تنظيم التعاون مع الشركاء الخارجيين، مع التأكيد على المسؤولية السياسية والأخلاقية للبرلمانيين تجاه المواطنين.

غير أن القيمة الفعلية لهذه الرسائل ستتحدد بمدى قدرة الحكومة الجديدة على تحويلها إلى سياسات عمومية ناجعة، ومدى استعداد البرلمان للاضطلاع بأدواره التشريعية والرقابية، ومدى قدرة الإدارة على تجاوز البطء والتداخل في الاختصاصات.

إن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى برامج جديدة، بل إلى تغيير ملموس في طريقة تنفيذ السياسات وتقييمها وربطها بالحاجيات الفعلية للمواطنين.

وفي نهاية المطاف، لن يكون نجاح الولاية التشريعية الجديدة مرتبطا بحجم الوعود أو عدد المشاريع المعلنة، وإنما بما ستحدثه من تغيير في حياة المغاربة، وبما ستوفره من فرص للشباب، وبما ستحققه من إنصاف مجالي واجتماعي، وبما ستعيد بناءه من ثقة بين المواطن والمؤسسات.

ذلك هو الاختبار الحقيقي للمرحلة: أن تتحول التوجيهات إلى إنجازات، والبرامج إلى نتائج، والمسؤولية الدستورية إلى التزام فعلي تجاه الوطن والمواطن.

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.