4"][/video]

قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون المحاماة: تعذر البت أم “تفادي” البت؟

بقلم: الاستاذ عصام اخماموش محام بهيئة مكناس والرشيدية

 

شكل القرار الصادر اليوم عن المحكمة الدستورية، (القرار عدد 277/26 الصادر بتاريخ 10/08/2026 في الملف عدد 317/26 ) والقاضي بتعذر البت في دستورية القانون المنظم لمهنة المحاماة بسبب عدم إرفاق الإحالة بأصل القانون المعتمد، حدثا قانونيا بامتياز، لكنه يحمل في طياته ظلالا سياسية لا يمكن إغفالها. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الجسم الحقوقي والمهني حسما واضحا في مقتضيات قانونية أثارت الكثير من المد والجزر، اختارت أعلى هيئة قضائية دستورية في البلاد الوقوف عند ويل الوثائق وعيوب الإجراءات الشكيلة، معتبرة أن غياب النسخة الأصلية للقانون يحول دون ممارسة رقابتها. هذا التمسك الحرفي بالقواعد المسطرية يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات جوهرية حول فلسفة القضاء الدستوري، إذ إن روح العدالة الدستورية المعاصرة تتجاوز الأشكال الجافة نحو حماية الحقوق والحريات، وكان بمقدور المحكمة، إعمالا لمبدأ النجاعة القضائية وتفاديا لهدر الزمن التشريعي، أن تتجاوز هذا الإخلال الشكلي البسيط عبر تفعيل قنوات التنسيق المؤسساتي، وطلب النسخة الأصلية مباشرة من رئيس مجلس النواب للاطلاع عليها واستكمال عناصر البت.

إن إحجام المحكمة عن سلوك هذا المنحى المرن، واختيارها إرجاع الملف برمته بناء على عيب مسطري كان يمكن تداركه بـ “جرة قلم” إدارية، ينم في عمقه عن وجود أبعاد وموازنات سياسية حتمت تفادي الحسم في هذا التوقيت بالذات. ويبدو أن المحكمة الدستورية قد وجدت في الثغرة الشكلية مخرجا آمناً يقيها حرج الفصل في قانون يقع في تقاطع طرق حاد بين توجهات حكومية تسعى لفرض رؤيتها التنظيمية، وبين قطاع مهني صامد يدافع عن استقلالية رسالة المحاماة ومكتسباتها التاريخية. ومن هنا، يتحول القرار من مجرد تطبيق جاف للمسطرة إلى خطوة سياسية مبطنة تروم ربح الوقت وإعادة الكرة إلى ملعب المؤسسة التشريعية والمهنية، لتظل المعركة المؤجلة حول جوهر القانون مفتوحة على كل الاحتمالات، في انتظار إحالة جديدة تحترم الشكل لكنها لن تعفي أحداً من مواجهة المضمون.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا القرار يضعنا أمام مجموعة من الأسئلة الحارقة ألخصها في سؤالين اثنين وهما كالتالي:

أولا: كيف يعقل لرئيس مجلس النواب، الذي يترأس مؤسسة دستورية تشريعية كبرى تمثل الإرادة الشعبية، وتضم خبراء ومستشارين في القانون، أن يقع في خطأ إجرائي مسطري بدائي كهذا، عبر إغفال إرفاق نسخة مطابقة لأصل النص؟ إن هذا الارتباك الإداري والتشريعي من لدن رئاسة الغرفة الأولى يطرح علامات استفهام مقلقة حول مدى الجدية والمسؤولية في تدبير إحالات القوانين الحيوية ذات الحساسية المجتمعية.

ثانيا: سؤال منطق الانتقائية الذي طبع سلوك المحكمة الدستورية في نازلة الحال، ففي الوقت الذي انتظرت فيه المحكمة شهرا ونيفا لتخرج بقرار سلبي يقضي بتعذر البت، يتذكر المتتبعون للشأن القانوني موقفها المختلف في ملف قانون المسطرة المدنية، حيث وقع رئيس مجلس النواب في الخطأ نفسه آنذاك، لكن المحكمة لم تتردد في طلب إحالة النسخة الأصلية منه لتجاوز الخلل وعقدت العزم على فحص المضمون وإسقاط المواد غير الدستورية. فلماذا استقام التعامل المرن والفعّال والبحث عن أصل النص في قانون المسطرة المدنية، في حين حُجبت هذه المبادرة القضائية في القانون المنظم لمهنة المحاماة واستُبدلت بتمسك حرفي جاف بالقواعد المسطرية؟

وفي الأخير الكلفة الأكبر لهذا القرار الصادر عن المحكمة الدستورية، تمثل أساسا في التضحية بمصلحة المتقاضين وإغفالها بشكل تام. فبينما تحتمي المحكمة بالشكليات وتدخل المؤسسات في شد وجذب حول النسخ والأصول، تعيش المحاكم المغربية شللا تاما واحتقانا غير مسبوق نتيجة توقف المحامين عن العمل احتجاجا على هذا القانون. وعليه فإن إرجاع الملف إلى نقطة الصفر بذريعة “النسخة الأصلية” يعني هدر المزيد من الزمن التشريعي والقضائي، وتمديد معاناة المواطنين الذين تعطلت مصالحهم وضاعت حقوقهم.

 

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.