هجرة سبتة.. عندما تتحول الحدود إلى مرآة للأزمة
معكم 24
قبل أيام عبر ما يقارب 60 ألف مغربي حدود سبتة سباحة في مدة لا تتجاوز أربع ساعات. هذا الحدث الذي بدا للبعض مفاجئا أو صادما أراه في الحقيقة أمرا طبيعيا تماما، بل أراه درسا مكثفا في التاريخ والسياسة يستحق التوقف عنده طويلا، ذلك أنه يكشف لنا كمسلمين حقائق كثيرة، ويحمل في طياته عبر متعددة.
1- فإلى جانب أنه يقدم لنا نموذجا مصغرا عن طبيعة الهجرة كفعل بشري قادر على تغيير السياسة والتوازن الديموغرافي في يوم واحد، فإن هذا يحدث في زماننا هذا، زمن الحدود المرسومة بدقة والحواجز الأمنية والطائرات والأقمار الصناعية والذكاء الصناعي والمراقبة الجوية والفضائية لكل شبر من الأرض. فما بالك لو رجعنا بضعة قرون إلى الوراء، في أزمنة كانت الحروب فيها متصلة والاضطرابات لا تكاد تهدأ، حين لم يكن هناك جواز سفر ولا تأشيرة ولا أسلاك شائكة على الحدود.
هذا المشهد يفند بالكامل الأسطورة |لـ.فـ.ـا sh يـ.ـة الحديثة المتمثلة في نغمة “المجتمع النقي” أو “الشعب الخالص الذي لم يختلط بغيره عبر آلاف السنين”، وهي الرواية الزائفة التي تنشط اليوم لدى دعاة القوميات المستحدثة كالنعرية الفرعونية أو الأمازيغية أو الفينيقية. فالتاريخ الإنساني، في أصله، عبارة عن موجات متلاحقة من الهجرات والاندماجات. وما نعيشه اليوم من تقديس صارم للحدود الوطنية وتصنيم لـ “الدولة الحديثة” وحراسة حوافها بالحديد والنار هو الاستثناء العجيب في مسار البشرية، بل هو النمط المجرم الذي يقيد حركة الإنسان ويعاقبه على مجرد ممارسة حقه الفطري في الحركة والسعي والنجاة.
2- وتتجلى المفارقات المدهشة في هذا الحدث حين ينظر الغرب اليوم، ومعه أزلامه من التيارات العلمانية والاقليات المتغربة الناطقة بالعربية، إلى تدفق عشرات الآلاف من الشباب المغاربة على أنه سلوك همجي حقير، يغزو بلادهم وكأن قطيعا من البرابرة قد جاء ليدمر حضارتهم العظيمة ورخاءهم المصون، وينسى أو يتناسى هؤلاء بأن الأوروبيين أنفسهم ما هم إلا سلالات لمهاجرين أجانب تدفقوا على القارة العجوز قبل مئات السنين، كانوا يوما ما ينظر إليهم بالضبط بنفس هذه النظرة، بل كانوا في موقف أسوأ وأحقر بمراحل. كثيرون لا يعرفون أن أغلب، إن لم يكن كل الشعوب الأوروبية التي نراها اليوم تتشدق بعبارات “الهجرة الغير شرعية”، ليست في أصلها سوى مهاجرين أجانب غير شرعيين نزحوا إلى أوروبا منذ مئات السنين، وكان الرومان في وقتهم ينظرون إليهم تماما بنفس النظرة، على أنهم مجموعة من البرابرة الهمج القادمين لتدمير الحضارة الرومانية العظيمة.
ففي القرنين ال٤ وال٥ الميلاديين كانت الإمبراطورية الرومانية تنظر إلى موجات “الهجرات الجرمانية” (هجرات أجداد الأوروبيين الحاليين) بالمنظور العالي والازدرائي نفسه، واصفة إياهم بالبرابرة الهمج الذين جاءوا لتدمير الحضارة الرومانية.
الهجرات التي كان يفر أبنائها من حروب وإجرام مشابهة لما يفر منه العرب والمسلمون اليوم، كان يقوده “الهون” (مغول العصور القديمة) الذين قتلوا ودمروا كل ما في طريقهم من وسط آسيا إلى وسط أوروبا وساقوا أمامهم ملايين الشعوب كنازحين ومهجرين، تلك الهجرات التي أعادت رسم خريطة أوروبا بالكامل، وأسقطت الإمبراطورية الرومانية وقضت عليها في بضع سنين، وحلت الشعوب الجرمانية المهاجرة محلها. الفاندال الذين استقروا في الأندلس وشمال أفريقيا، والفرنجة الذين استقروا في فرنسا وقضوا على شعب الغال وتسموا بالفرنسيين فيما بعد، والألمان، والأنجل والساكسون الذين صاروا “إنجليز” في بريطانيا، والقوط الشرقيون والقوط الغربيون، واللومبارد، والبورجنديون، هؤلاء المهاجرون واللاجئون جميعا هم أجداد الشعوب الأوروبية التي نراها اليوم.
كل شعب من هذه الشعوب هاجر إلى الإمبراطورية الرومانية، واحتل أجزاء منها، واستقر فيها، وبعد مئات السنين صار هو نفسه، (تماما كما كان الرومان من قبله)، ينظر بعين الريبة والرفض إلى المهاجرين الجدد، خوفا على إمبراطوريته الرومانية الجديدة، التي تسمى اليوم بـ “الاتحاد الأوروبي”. وهو ما صرح به فعلا مسؤولون بالأتحاد الأوروبي قبل فترة أنهم يخشون على الإمبراطورية الجديدة من أن تسقط بنفس الطريقة بفعل “الهجرات الغير شرعية”، واصفين الأتحاد بواحة الحضارة في غابة متوحشة يريد الهمج تدميرها.
3- لم يسأل هؤلاء الأوروبيون أنفسهم لماذا يفر هؤلاء المسلمون؟! لماذا يتركون دولهم؟! السبب باختصار هو الظلم والقهر والفقر والفساد الذي تعيشه بلادهم بسبب حكامها الطغاة الفسدة، المدعومين من أوروبا، وبسبب السياسات الأوروبية القائمة على نهب واستنزاف تلك الدول وإشعال الحروب والصراعات فيها لإثراء القارة الأوروبية على حساب هذه الشعوب المظلومة، وكذلك الإرث الإستعماري الأوروبي الذي أتلف الأخضر واليابس في البلاد الإسلامية والأفريقية التي نهبها ودمرها عبر قرون
4- نقطة آخرى لا تقل أهمية، يمكن استلاخصها من هذا المشهد، وهو جيل هؤلاء الذين عبروا. فأغلب من هاجروا إلى سبتة في هذه الموجة هم تقريبا من جيل الشباب المولود في مطلع الألفية وأواخر التسعينيات، وهو الجيل الذي نشأ وهو يرى بأم عينه هزيمة الثورات العربية وهي تتحطم، وفشل كل محاولات التغيير والإصلاح. جرب هذا الجيل في المغرب نفسه أن يثور ويتمرد على الفساد المستشري في بلاده وعلى خنوع وتبعية النظام الملكي المغربي للكيان المحتل وللغرب، لكنه فيما يبدو تعلم الدرس بطريقة مختلفة عن الجيل الذي سبقه. هذا الجيل لم يعد لديه استعداد أن يخوض المعارك الطويلة ويكابد من أجل التغيير والإصلاح كما فعل جيل الثورات، بل قرر أن يأخذ الأمر من أقصر وأسرع الطرق، فيهاجر ويترك البلاد، لأنه وصل إلى مرحلة من اليأس اعتبر معها أن لا فائدة ترجى من البقاء والمقاومة، وفور وصوله يسجد لله شكرا على نجاته من الجحيم.
5- إيضا تشير تلك الواقعة لمسألة أخرى مهمة، أنه لو فتح الباب فعلا أمام العديد من الشعوب العربية والمسلمة، لترك هذه البلاد ما لا يقل عن نصف سكانها، بسبب الفقر والظلم والاستبداد والقهر والفساد الذي تعانيه هذه الشعوب، المعاناة التي صنعها طغاة الداخل من جهة، وإجرام الغرب وحقارته من جهة أخرى، ذلك الغرب الذي يعيش على نهب وسرقة دول العالم الثالث عبر عملائه الذين نصبهم حكاما وحراسا على الحظائر التي صنعها هو ورسم حدودها بيده. وهذه الحادثة تكشف أيضا إلى أي درجة تحكم أنظمتنا العربية أنظمة فاشلة، لا تجد أي حرج في أن تحارب شعوبها وتفقرها وتوصلها إلى درجة من المعاناة والقهر تجعل الإنسان يرمي بنفسه في البحر ويعرض حياته للهلاك، على أمل أن يخرج من هذه الحظائر الاستعمارية التي صنعها الغرب وقسمها ونصب عليها عملاءه.
بل إن هذه الأنظمة على استعداد أن تفقر شعوبها عمدا لتجعل منها ورقة ضغط في يدها تلوح بها للغرب: <إما أن تعطونا ما نريد، وإما نفتح لكم أبواب الجحيم جحيم الهجرة ونطلق عليكم جحافل الفقراء والجياع الذين أفقرناهم نحن وجوعناهم وظلمناهم لخدمتكم>. كل هذا لكي تبقى هذه الأنظمة مستمرة في الحكم، وليظل الملك بالحكم حتى يورث ابنه، والأمير يورث ولي عهده، والرئيس يحكم مدى الحياة، ولتستمر هذه الأسر الحقيرة في نهب وسرقة ثروات بلادها وتحويلها إلى بنوك الغرب، بعد أن فشلت عبر عقود طويلة في تحقيق تنمية حقيقية أو رخاء واستقرار لشعوبها، رغم كل ما تفيض به أراضينا الإسلامية من ثروات وموارد هائلة.
6- سبتة ومليلة هي أرض إسلامية محتلة تحتلها إسبانيا، شأنها في ذلك شأن أراضينا المحتلة، واستمرار هذا الاحتلال هو بصقة في وجه كل نظام مغربي متعاقب، وصفعة على وجه كل مسؤول وحاكم يجلس في الرباط. فالمدينتان تقعان داخل التراب المغربي، ومع ذلك فشل النظام المغربي عبر عشرات السنين في أن يحررهما أو يستعيدهما، في الوقت الذي استطاع فيه الشعب المغربي نفسه، في ساعات معدودة، أن يهدد الوجود الإسباني في سبتة بالكامل، حتى وصفت وسائل الإعلام الإسبانية والأوروبية ما حدث بأنه غزو.
هذا الغزو، أو بالأحرى التحرير، الذي فشل النظام المغربي في عهد الحسن الثاني ثم في عهد ابنه محمد السادس أن يحققه عبر عشرات السنين، بينما كان كل انشغال هذا النظام منصبا على مناكفة جاره المسلم “الجزائر” وقمع سكان الصحراء في الجنوب. هذا النظام الذي لم يخض حربا واحدة من أجل تحرير سبتة ومليلة، لكنه خاض حرب الرمال ضد الجزائر، ولا يزال يحارب ويقصف سكان الصحراء منذ عقود.
7- ما حدث كذلك دليل آخر على أن الإنسان العربي والمسلم ليس له أي قيمة عند الأوروبي، حتى وإن أبدى هذا الأوروبي تعاطفا مع قضيته. وبطبيعة الحال، لست بحاجة لأن أوضح أن هذا التعاطف ليس مجانا ولا من أجل الإنسانية أو يبتغى به وجه الله، وإنما هو محسوب لمصلحة صاحبه الغربي، مصلحته الوطنية في تحسين صورته أمام العالم، وغسل سمعته التاريخية الملطخة أمام الجميع، وتبييض تاريخه الاستعماري.
8- سيقول قائل: كيف تقول هذا وإسبانيا تدعم قضية فلـ.w.طـ.ين وأهلها، وموقفها موقف مشرف؟ أقول له: صحيح أنها دعمت هذه القضية، لكن ماذا في ذلك؟ هل صار الإسبان ملائكة بسبب هذا الموقف، وهل يفترض أن ننسى كل ما ارتكبوه من جرائم وكوارث عبر تاريخهم؟ هل ننسى ما فعلته هذه الدولة بمسلمي الأندلس من تنصير و|b|دة؟ إن قضية فلـ.w.طـ.ين مسألة شرف وإنسانية، والطبيعي أن يدعمها كل إنسان سوي، بل إن العكس هو الغير طبيعي، ليس من الفطرة أن يقف إنسان مع الظالم ضد المظلوم. الأصل أن يدعم كل الناس المظلوم، ومن يفعل ذلك لا فضل له علينا، لأنه هو الموقف الصحيح أصلا.
ثم ماذا قدمت إسبانيا لفلسطين في الحقيقة غير رفع العلم وبعض التصريحات والمظاهرات ومنع رسو بعض السفن والطائرات؟ للأسف هناك دول عربية كثيرة تقوم بهذه الوظائف الحقيرة نفسها (التجارة والتطبيع واستقبال الشحنات للكيان)، وترفع عن إسبانيا الحرج أولهم المغرب. ورغم ذلك فالمواقف الإسبانية لا ترقى إلى المستوى المطلوب فهي لم تفعل مثل جنوب افريقيا على سبيل المثال.
9- حكومة إسبانيا هي التي لها الشرف بدعمها لقضيتنا، ولسنا نحن من يتشرف بدعمها لنا. إسبانيا دولة عنصرية، وفيها اضطهاد ضد المسلمين. لقد سمحت إسبانيا قبل سنوات قليلة لأحفاد يـ8 *ود الأندلس بالعودة إليها ومنحتهم الجنسية واعتذرت لهم، في حين أنها لم تفعل شيئا من هذا مع أحفاد مسلمي الأندلس حتى اليوم. ولا يمكن لأي مسلم سليم العقل والفطرة أن يتغاضى عن أن التاريخ الإسباني ملطخ بالقـ. tل والإجرام والاستعمار و|لإ B | د |ت بحق الشعوب والأمم، بداية بما فعلته إسبانيا من قـ. tل وتنصير قسري وتهجير لملايين من مسلمي الأندلس، مروراً باستعمارها للأمريكتين ومافعله الإسبان بالسكان الأصليين هناك من تنكيل وإجرام، وصولا إلى استعمارها للمغرب وضربها للمغاربة بالغاز |لـ.sـا م في حرب الريف 1921–1927، ثم احتلالها الحالي لأراض عربية إسلامية في البر المغربي نفسه. فدعم إسبانيا لفلسطين اليوم هو في الأساس محاولة لتحسين سمعتها التاريخية السيئة، وتلميع إرثها الاستعماري المشين، الذي لا يقل في فداحته عن الإجرام الذي يحدث اليوم معنا ومع إخواننا.
10- هذا الكلام لا يعني أيضاً أن الكيان ليست له مصلحة في إسقاط الحكومة الإسبانية الحالية، ولا يعني أن ما حدث على حدود سبتة بعيد عن أن يكون الكيان وراءه بالتعاون مع النظام المغربي العميل، للضغط على إسبانيا بهدف إسقاط حكومتها ودعم اليمين المتطرف فيها. بل الأكيد أن ما حدث هو مؤامرة كما يقول الكتاب لإسقاط حكومة “بيدرو سانشيز”، والدليل على ذلك سرعة تحرك دول مثل إيطاليا وتعطيلها اتفاقية الشنغن مع إسبانيا في سابقة خطيرة، وتصريحات اليمين المـ. tطرف في أوروبا وتصريحات ترامب واليمين في امريكا، وكل هذه المواقف السريعة التي صدرت في وقت قصير جدا، إضافة إلى تصريحات وزراء العدو التي شمتت في الحكومة الإسبانية وتبطن التهديد.
الخلاصة: أن إسبانيا دولة تاريخها كله إجرام واستعمار ونهب، قامت على جثث المسلمين في الأندلس والمغرب وشمال افريقيا والفلبين والأمريكتين، وارتكبت جرائم بشعة ضد المسلمين في كل شبر وصلته أساطيلها وجيوشها، ولا تزال حتى اليوم تحتل أراضي إسلامية عربية في سبتة ومليلة وغيرهما (الأراضي التي يجب علينا كمسلمين تحريرها). أما دعمها للقضية فهو أمر يشرفها هي، وليس منة أو فضلا منها علينا ولا واجبا ندين لها بالشكر عليه.
ومع ذلك، فمن مصلحتنا كمسلمين أن تبقى الحكومة الإسبانية الحالية قائمة، لأن موقفها يخدمنا ويضر الكيان وأمريكا. أما ما حدث في سبتة المحتلة، فأرجح الأقوال أنه جاء بتواطؤ بين الكيان والنظام المغربي العميل المطبع، الذي تربطه بالكيان علاقات أمنية وعسكرية على أعلى مستوى، وهو نفسه النظام الذي سحق بالحديد والنار الشباب المغاربة حين خرجوا يتظاهرون، لكنه، سبحان الله، ترك ستين ألفا منهم يعبرون الحدود في أربع وعشرين ساعة.