شريط الأخبار

4"][/video]

الزمن الثالث وإعادة إنتاج الرأسمال الثقافي: العطلة المدرسية بين الأسرة ومؤسسات الوقت الثالث بالمغرب، حدود التكامل وإشكالات التدبير.

بقلم : *محمد أغياي 

لم تعد العطلة المدرسية في المجتمع المغربي مجرد فترة زمنية تنقطع فيها العلاقة بين الطفل والمدرسة، ولا مجرد لحظة للراحة والاستجمام بعد موسم دراسي طويل، بل أصبحت زمنا اجتماعيا تتقاطع داخله رهانات التربية والتنشئة والثقافة، وتتحدد من خلاله أنماط جديدة في بناء شخصية الطفل وصياغة علاقته بمحيطه الاجتماعي.

فخارج أسوار المؤسسة التعليمية، يستمر الطفل في التعلم والتفاعل واكتساب الخبرات، لكن داخل فضاءات مختلفة تحكمها الأسرة ومؤسسات الوقت الثالث، من مخيمات تربوية، وجمعيات، وأندية ثقافية ورياضية، ومراكز للترفيه والتكوين، إضافة إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح يشكل جزءا أساسيا من الحياة اليومية للأطفال. ومن هنا تبرز أهمية مفهوم الزمن الثالث باعتباره مفهوما سوسيولوجيا يساعد على فهم ما يحدث خارج الزمن المدرسي، وكيف تتحول العطلة المدرسية إلى مجال لإنتاج الرأسمال الثقافي والاجتماعي، أو في المقابل إلى فضاء لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية.

إن الزمن الثالث لا يمكن اختزاله في كونه وقتا فائضا بين المدرسة والأسرة، بل هو زمن يحمل وظائف اجتماعية وتربوية عميقة، لأنه يشكل مجالا تتبلور داخله قيم الطفل، وعلاقاته، وطرائق تفكيره، ومهاراته الشخصية. فالتجارب التي يعيشها الطفل خلال العطلة المدرسية تساهم في تشكيل جزء مهم من شخصيته، سواء من خلال الأنشطة الجماعية التي تنمي روح التعاون والمسؤولية، أو من خلال التجارب الثقافية والفنية والرياضية التي توسع مداركه وتمنحه أشكالا جديدة من التعبير عن الذات. لذلك فإن الحديث عن الزمن الثالث هو حديث عن فضاء مواز للتربية، لا يشتغل بالضرورة وفق منطق المدرسة، لكنه يساهم في تحقيق أهداف قريبة منها، خاصة فيما يتعلق ببناء الاستقلالية، وتنمية الكفايات الاجتماعية، وتعزيز القدرة على الاندماج داخل الجماعة.

ومن هذا المنطلق، يكتسي مفهوم الرأسمال الثقافي أهمية مركزية في فهم الأدوار التي يؤديها الزمن الثالث. فقد أوضح بيير بورديو أن النجاح الاجتماعي والمدرسي لا يرتبط فقط بالقدرات الفردية، بل يتأثر بما يحمله الطفل من مكتسبات ثقافية ورمزية يكتسبها داخل أسرته ومحيطه الاجتماعي. فالأطفال لا يدخلون إلى المدرسة وهم يمتلكون الرصيد نفسه من الخبرات والمهارات، لأن الأسرة تشكل الفضاء الأول الذي ينتج ويوزع الرأسمال الثقافي. غير أن هذا الإنتاج لا يتوقف عند حدود الأسرة أو المدرسة، بل يمتد إلى فضاءات الزمن الثالث التي أصبحت تلعب دورا متزايدا في تعزيز هذا الرصيد أو تعويض نقصه.

فالأسر التي تمتلك موارد اقتصادية وثقافية أكبر غالبا ما تدرك أهمية استثمار زمن العطلة في بناء شخصية الطفل، فتعمل على إدماجه في أنشطة متنوعة تمكنه من اكتساب لغات جديدة، وتنمية مواهبه، وتوسيع شبكة علاقاته الاجتماعية. بالنسبة لهذه الأسر، لا تكون العطلة مجرد فترة للترفيه، وإنما فرصة تربوية لتعزيز المكتسبات وبناء الثقة بالنفس وتطوير المهارات. في المقابل، تجد أسر أخرى نفسها عاجزة عن توفير هذه الفرص بسبب محدودية الإمكانيات المادية أو بسبب غياب العرض التربوي والثقافي القريب من محيطها.

وهنا يتحول الزمن الثالث إلى مجال يعكس الفوارق الاجتماعية، حيث يستفيد بعض الأطفال من تراكم ثقافي مستمر، بينما يعيش آخرون فترة من الانقطاع عن التعلم والممارسة الثقافية، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الفوارق التي تحاول المدرسة تقليصها.

ويظهر هذا التفاوت بشكل واضح في السياق المغربي، حيث تكشف خريطة مؤسسات الوقت الثالث عن عدم تكافؤ مجالي في توزيع فرص الاستفادة. فبينما تعرف المدن الكبرى تنوعا في العرض الثقافي والرياضي والتربوي، سواء من خلال الجمعيات أو المراكز الخاصة أو المؤسسات العمومية، تعاني العديد من المناطق القروية والمجالات الهامشية من محدودية هذه الفضاءات وضعف بنياتها. ويجعل هذا الوضع الطفل مرتبطا بشكل كبير بالمكان الذي ينتمي إليه وبالإمكانيات الاجتماعية لأسرته، وهو ما يطرح سؤال العدالة المجالية في تدبير زمن الطفولة. فحين تصبح جودة العطلة المدرسية مرتبطة بالموقع الاجتماعي والجغرافي، فإن الزمن الثالث يفقد جزءا من وظيفته كفضاء للإنصاف، ويتحول إلى آلية غير مباشرة لإعادة إنتاج التفاوتات.

لقد أدى تحول الأسرة المغربية خلال العقود الأخيرة إلى تعزيز الحاجة إلى مؤسسات الوقت الثالث. فمع تغير أنماط الحياة، وارتفاع وتيرة العمل، وتراجع أدوار الأسرة الممتدة، أصبحت الأسرة النووية تواجه صعوبة في تدبير كل حاجيات الطفل التربوية والترفيهية والاجتماعية. ولم تعد قادرة دائما على توفير كل شروط التنشئة التي كان يوفرها المحيط العائلي التقليدي. لذلك برزت مؤسسات الوقت الثالث كفاعل اجتماعي جديد يساهم في تقاسم مسؤولية التنشئة مع الأسرة، ويمنح الطفل فضاءات للتفاعل والتعلم خارج الإطار المدرسي.

غير أن هذا التكامل بين الأسرة ومؤسسات الوقت الثالث لا يزال يواجه العديد من الحدود والإشكالات. فالعلاقة بين الطرفين غالبا ما تظل علاقة وظيفية محدودة، تقوم على إسناد مهمة رعاية الطفل خلال فترة العطلة أكثر مما تقوم على بناء مشروع تربوي مشترك. فكثير من الأسر تنظر إلى هذه المؤسسات باعتبارها أماكن لحماية الأطفال وشغل أوقاتهم، دون أن تنخرط بشكل فعلي في فلسفتها التربوية أو تتابع آثارها على شخصية الطفل. وفي المقابل، لا تعمل بعض المؤسسات على بناء جسور قوية مع الأسر، مما يجعل الطفل يعيش بين فضاءات متعددة قد لا تكون دائما منسجمة في قيمها وأساليبها التربوية.

كما أن مؤسسات الوقت الثالث نفسها تواجه تحديات تحد من قدرتها على أداء وظائفها الاجتماعية. فغياب رؤية وطنية واضحة لتدبير هذا الزمن، وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتفاوت جودة البرامج، ونقص الموارد البشرية المؤهلة، كلها عوامل تؤثر في فعالية هذه المؤسسات. فالمخيمات والجمعيات والأندية لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها خدمات موسمية مرتبطة بفترة الصيف فقط، بل باعتبارها جزءا من منظومة التنشئة الاجتماعية التي تحتاج إلى تأطير مؤسساتي وتربوي مستمر.

ومن جهة أخرى، يطرح تنامي القطاع الخاص في مجال الوقت الثالث إشكالا سوسيولوجيا مرتبطا بتحول بعض الخدمات التربوية والترفيهية إلى مجال تجاري. فرغم أن القطاع الخاص ساهم في تنويع العرض وتقديم برامج ذات جودة في بعض الحالات، فإن ارتفاع تكاليف هذه الخدمات يجعلها متاحة أساسا للأسر ذات القدرة الشرائية المرتفعة، وهو ما يعمق الفجوة بين الأطفال بدل أن يساهم في تقليصها. وهنا يظهر التناقض بين اعتبار الزمن الثالث حقا من حقوق الطفل وبين تحوله إلى خدمة تخضع لمنطق السوق.

ولا يمكن تناول الزمن الثالث في المغرب دون التوقف عند التحول الرقمي الذي غير بشكل عميق طريقة عيش الأطفال لعطلهم المدرسية. فقد أصبح العالم الرقمي فضاء جديدا للتعلم والترفيه والتواصل، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى مجال للعزلة والانغلاق إذا غاب التأطير الأسري والتربوي. فالتحدي اليوم لا يتمثل في منع الطفل من الولوج إلى التكنولوجيا، وإنما في تحويل هذا الفضاء إلى فرصة للتعلم والإبداع، ضمن تصور جديد للزمن الثالث يدمج بين الفضاء الواقعي والافتراضي.

إن إعادة التفكير في تدبير العطلة المدرسية بالمغرب تقتضي تجاوز النظرة التقليدية التي تعتبرها زمنا خارج التربية، نحو تصور يجعلها امتدادا للمشروع التربوي والمجتمعي. فالرهان ليس فقط هو توفير أنشطة للأطفال، وإنما ضمان أن تكون هذه الأنشطة ذات معنى تربوي واجتماعي، وأن تكون متاحة لجميع الأطفال دون تمييز. وهذا يتطلب بناء شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة ومؤسسات الوقت الثالث، وتطوير سياسات عمومية تضمن العدالة في الولوج إلى هذه الفضاءات، خاصة بالنسبة للأطفال المنتمين إلى المناطق والفئات الأقل حظا.

إن الزمن الثالث يمثل اليوم أحد المجالات التي تتشكل داخلها ملامح الطفل المغربي، ليس فقط من خلال ما يتعلمه، بل أيضا من خلال العلاقات التي يبنيها، والتجارب التي يعيشها، والقيم التي يكتسبها. لذلك فإن تدبير هذا الزمن لا ينبغي أن ينظر إليه كمسألة تنظيمية مرتبطة بالعطلة، بل كقضية اجتماعية وثقافية ترتبط بمستقبل التنشئة وبناء الإنسان. فالمجتمع الذي يستثمر في زمن أطفاله خارج المدرسة، إنما يستثمر في رأسماله الثقافي والاجتماعي، وفي قدرته على بناء أجيال أكثر استقلالية وانفتاحا وقدرة على المشاركة. ومن هنا يصبح الزمن الثالث ليس مجرد وقت بين زمنين، بل فضاء حقيقيا لإنتاج المستقبل.

*باحث في السوسيولوجيا

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.