إضراب المحامين بالمغرب: أزمة مهنية أم اختبار حقيقي للسياسات القضائية؟
بقلم ذة . لعسيلي نسرين
لم يعد إضراب المحامين بالمغرب مجرد تعبير ظرفي عن مطالب مهنية، بل تحوّل إلى لحظة كاشفة لعمق الإشكال الذي يطبع العلاقة بين السياسات العمومية ومكونات منظومة العدالة. فحين يتوقف المحامي عن أداء مهامه، فإن ذلك لا يُقرأ فقط كفعل احتجاجي، بل كرسالة سياسية وقانونية مفادها أن اختلال التوازن داخل منظومة العدالة بلغ مستوى لم يعد قابلاً للتجاهل.
إن اختزال هذا الإضراب في بعده المهني الضيق، أو التعامل معه بمنطق التدبير الإداري، يُفرغ النقاش من جوهره الحقيقي. فالمحامي ليس فاعلاً هامشياً داخل العدالة، بل شريك أساسي في تكريس دولة القانون وحماية الحقوق والحريات. وأي إصلاح قضائي يتم دون إشراك فعلي لهيئات الدفاع، أو يتم فرضه بمنطق أحادي، يكون محكوماً عليه بإنتاج الأزمات بدل معالجتها.
ومن زاوية المحامية المتدربة، يبرز وجه آخر للأزمة، غالباً ما يتم تغييبُه في النقاش العمومي. ففئة المحامين المتدربين، التي يفترض أن تشكل مستقبل المهنة وضمان استمراريتها، تجد نفسها اليوم في وضعية هشة، تتقاطع فيها صعوبات التكوين، وضغط الواقع الاجتماعي، مع تداعيات إضراب ينعكس بشكل مباشر على فرص التعلم الميداني وبناء الكفاءة المهنية. وهو ما يطرح سؤال العدالة داخل العدالة، ومدى إنصاف الأجيال الصاعدة في السياسات المهنية المعتمدة.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن المتقاضي يبقى المتضرر المباشر من توقف الجلسات وتأجيل القضايا، خاصة في ظل سياق اجتماعي واقتصادي دقيق. غير أن تحميل المحامين وحدهم مسؤولية هذا الوضع يظل مقاربة سطحية، ما لم يتم الاعتراف بأن جوهر الإشكال يكمن في غياب رؤية تشاركية واضحة لإصلاح العدالة، قادرة على التوفيق بين حماية المهنة وضمان الحق الدستوري في التقاضي.
إن هذه المرحلة تكشف، بشكل لا لبس فيه، أن العدالة ليست مجرد مرفق تقني يُدار بمنطق الأرقام والإجراءات، بل هي مجال سيادي حساس، يتطلب قرارات سياسية شجاعة، قائمة على الحوار والثقة والاعتراف المتبادل بالأدوار. فاستمرار منطق التجاهل أو التسويف لا يؤدي إلا إلى تعميق منسوب الاحتقان، وإضعاف الثقة في مشروع إصلاح العدالة برمته.
إن إضراب المحامين اليوم ليس أزمة عابرة، بل إنذار واضح: فإما عدالة تُبنى بالشراكة والاحترام المتبادل، أو إصلاحات شكلية تُراكم الاختلالات وتؤجل الانفجار.
*محامية بهيئة أكادير