مؤشرات الانتعاش وحدود الأثر الاجتماعي… قراءة في اقتصاد ما بعد 2025

معكم 24

مع اقتراب نهاية سنة 2025، يعود النقاش حول وضعية الاقتصاد الوطني إلى الواجهة، وسط مؤشرات متباينة تجمع بين بوادر انتعاش اقتصادي وتحديات اجتماعية ومعيشية لا تزال تثقل كاهل فئات واسعة من المواطنين. فبين أرقام النمو المعلنة، وواقع القدرة الشرائية، يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل دخل الاقتصاد المغربي فعلا مرحلة التعافي المستدام؟
تفيد المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بأن الاقتصاد الوطني سجل خلال النصف الثاني من سنة 2025 نموا ملحوظا قدر بحوالي 5,5 في المائة، وهو أعلى معدل يتم تسجيله منذ مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19. هذا الأداء يعكس، حسب خبراء، تحسنا في عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الفلاحة، والصناعة التصديرية، واللوجستيك، إضافة إلى انتعاش نسبي في الطلب الداخلي.
غير أن هذه الأرقام الإيجابية لا تخفي استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة في ظل تزايد أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر. ويؤكد اقتصاديون أن التعافي الاقتصادي، وإن كان حقيقيا على مستوى المؤشرات الكلية، فإنه لا يزال غير متكافئ في انعكاساته الاجتماعية.
من جهة أخرى، برزت الصادرات كأحد أبرز محركات النمو خلال 2025، حيث تجاوزت قيمتها الإجمالية 206 مليارات درهم، مدفوعة بتحسن أداء الصناعات الميكانيكية والكهربائية، وقطاع السيارات، إضافة إلى الفوسفاط ومشتقاته. هذا التطور عزز احتياطات العملة الصعبة، وساهم في تقليص العجز التجاري، رغم استمرار كلفة الواردات الطاقية.
في المقابل، لا تزال مسألة التشغيل تمثل إحدى أبرز الإكراهات البنيوية، إذ لم يواكب النمو الاقتصادي المسجل وتيرة كافية لخلق فرص شغل مستدامة، خاصة لفائدة الشباب وحاملي الشهادات. وهو ما يطرح، بحسب مختصين، إشكالية جودة النمو، وليس فقط مستواه الرقمي.
ويرى متابعون أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق التعافي الظرفي إلى بناء نموذج نمو أكثر شمولية، يرتكز على تحفيز الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وربط النمو الاقتصادي بتحسين ملموس في المؤشرات الاجتماعية.
وأخيرا  يمكن القول، إن الاقتصاد الوطني يبدو وقد تجاوز مرحلة الصدمة، لكنه لم يبلغ بعد مستوى التعافي المتوازن. فبين أرقام مطمئنة وأسئلة اجتماعية معلقة، يبقى الرهان الحقيقي لما بعد 2025 هو تحويل النمو إلى أثر يومي يلمسه المواطن في معيشه وفرصه ومستقبله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.