حرب الروايات في أيت ملول: خلفيات وأهداف التضليل في قضية النائب الثاني لرئيس جماعة أيت ملول

متابعة رضوان الصاوي

مرة أخرى، تكشف منصات التواصل الاجتماعي عن قدرتها على تحويل حدث قضائي عادي إلى مادة صراع محتدمة تُفبرك فيها الروايات كما تُفبرك المواقف في الصراع الذي شهدته الجماعة الترابية لأيت ملول.

فقد انتشر خلال الأيام الماضية خبران متناقضان بخصوص ملف النائب الثاني لرئيس جماعة أيت ملول، عادل المرابط: أحدهما يتحدث عن إدانة، والآخر يثبت البراءة. وبينما تؤكد المعطيات القضائية الرسمية صحة البراءة، تكشف رواية الإدانة عن حجم التضليل الذي أصبح يُصنع بوعي ويُوزّع بذكاء لخدمة أجندات سياسية محلية، حيث شهدت في هذا الشأن منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة موجة غير مسبوقة من الأخبار المتضاربة حول مآل محاكمة النائب المذكور، بعد تناقل خبرين متناقضين؛ أحدهما يتحدث عن “إدانته” من طرف محكمة الاستئناف، والآخر يؤكد “تبرئته”. ومع أن المعطيات المتداولة من مصادر قضائية مختصة ترجّح صحة خبر البراءة، إلا أن انتشار رواية الإدانة بهذا الشكل المنسق والسريع يثير تساؤلات عميقة حول الخلفيات والأهداف التي دفعت جهات معينة إلى ضخ محتوى مضلل في الفضاء الرقمي المحلي.

إلى ذلك، يتضح أن توقيت نشر خبر “الإدانة” لم يكن اعتباطيًا. فقد جاء مباشرة بعد صدور حكم الاستئناف الذي أفاد—بحسب الوثائق المعتمدة—بإلغاء الحكم الابتدائي في ما يتعلق بتدوينة “مليار وستمائة مليون سنتيم”. هذا التزامن يكشف سعيًا واضحًا إلى إحداث ارتباكٍ إعلامي، وصناعة حالة شكّ لدى الرأي العام قبل أن تتضح حقيقة القرار القضائي.

ويذهب عدد من المتتبعين إلى أن نشر رواية الإدانة كان محاولة لإفساد أثر الحكم الحقيقي على المستوى السياسي والرمزي، خاصة وأن القضية تتعلق بتدوينة حول مالية الجماعة، وهي موضوع حساس يلامس توازنات داخلية وخارجية في المشهد المحلي.

اللافت أن الصفحات التي روّجت خبر الإدانة تعتمد خطابًا يقينيًا، دون الإشارة إلى أي مصدر قضائي رسمي، ما يطرح علامات استفهام حول: هوية الجهات الواقفة وراءها، و إن كانت معروفة لدى البعض … كما هي معروفة طبيعة ارتباطها بالصراع السياسي الدائر داخل الجماعة.

ففي مقابل رواية البراءة التي اعتمدت وثائق وأحكامًا صادرة عن محكمة الاستئناف، اكتفت صفحات أخرى بطرح سردية معاكسة دون أي أساس مهني. هذا يعكس مدى هشاشة المشهد الإعلامي المحلي، حيث يمكن لرواية مختلقة أن تنتشر بسرعة وتتجاوز حدود المنطق والقانون، خصوصا أن هناك فريق متخصص للترويج …

و إذا كان أصل القضية مرتبط بتدوينة نشرها النائب عادل المرابط قبل أشهر، تناول فيها مبلغًا ماليًا له علاقة بمالية جماعة أيت ملول. هذا البعد المالي جعل الملف ينتقل من ساحة القضاء إلى ميدان السياسية، حيث تختلف المصالح وتتصادم الحسابات، ووصلت داخل هياكل حزب الإستقلال بالمدينة، حيث يتبين أنه لن يتنازل في الحد من المواجهة …

و أجمع المتتبعون أن خبر الإدانة، هو محاولة لتوجيه الرأي العام عبر خلق انطباع بأن القضاء أدان تدوينة تتعلق بالمال العام، ما يفرغها من محتواها الرقابي ويحوّلها إلى مجرد “تشهير”. حيث تفاعل رواد وسائل التواصل الاجتماعي مع الخبرين بشكل واسع، ما يعكس حاجة الجمهور للمعلومة، لكنه يكشف أيضًا هشاشة الثقافة القانونية الرقمية. فالكثيرون لا يميزون بين: الحكم الابتدائي والحكم الاستئنافي، و بين الإلغاء والتأييد، و البراءة وعدم المؤاخذة. حيث إن هذه و كثرة المصطلحات القانونية و الثغرات تسمح بتمرير روايات غير دقيقة، وتحويل أحكام قضائية إلى أدوات دعائية.

و تبقى الخلاصة: أن البراءة ثابتة… والتضليل مقصود، ف بحسب المعطيات المتاحة من الجهات القضائية المختصة، فإن حكم محكمة الاستئناف جاء لفائدة النائب عادل المرابط، مع إلغاء الحكم الابتدائي المرتبط بالتدوينة المذكورة. أما الخبر الذي تم ترويجه حول “الإدانة”، فقد اتضح أنه غير صادر عن المحكمة، وأنه جزء من عملية تضليل كان هدفها التشويش على الحقيقة وتوجيه الرأي العام في اتجاه معين. وتكشف هذه الواقعة أن الصراع السياسي الرقمي بات يتجاوز حدود الاستحقاقات الانتخابية، ليصل إلى حد اختلاق أحكام قضائية وترويجها كحقائق. وهو ما يستدعي يقظة مهنية، ووعيًا مجتمعيًا بضرورة الرجوع إلى المصادر الرسمية قبل ترويج أو تصديق أي خبر ذي طابع قضائي.

إن هذا التلاعب بالمعلومة لا يعكس فقط ضعفًا في المهنية الإعلامية، بل يفضح أيضًا تنامي استخدام القضاء كوقود لمعركة رقمية تتجاوز الوقائع نحو تشكيل صورة الفاعلين السياسيين في أذهان المواطنين. وفي زمن تتداخل فيه السياسة بالاتصال، وتختلط فيه الحقيقة بالرغبة في التأثير، يصبح الرأي العام هدفًا رئيسيًا للموجات المنظمة من الأخبار المضلّلة.

إن ما حدث في قضية المرابط يؤكد أن التضليل لم يعد مجرد خطأ في نقل المعلومة، بل بات استراتيجية تواصلية تُبنى بدهاء لتوجيه الانطباعات وتمييع الحقائق. وهو درس جديد يفرض على المتلقي أن يتحرى الدقة، وعلى الصحافة المهنية أن تنهض بدورها في حماية المعلومة من التشويه، خاصة حين يتعلق الأمر بأحكام قضائية يُفترض أن تكون مصدرًا للثقة لا مادة للمزايدات.٠

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.