جلسة خمرية تقود عصابة إجرامية من الخاطفين إلى السجن..!!
نتناول في ركن “من أرشيف الجريمة في المغرب” لهذا الأسبوع، قضيتين منفصلتين تم خلالهما اختطاف واحتجاز شخصين كرهينتين مع طلب فدية من طرف عصابة كانت تخطو خطواتها الأولى في هذا النوع من الجرائم.
القضية الأولى: تعرض لها أحد رجال الأعمال المغاربة بمدينة مراكش. أما القضية الثانية: فقد تم فيها اختطاف مهاجر مغربي مقيم بالديار البلجيكية. وقد كللت العمليتين بالنجاح، وذلك على الرغم من الطريقة البدائية التي كانت تنهجها العصابة المذكورة في تنفيذ مشاريعها الإجرامية قبل أن تتمكن مصالح الأمن بالمدينة الحمراء من تفكيكها وتضع بالتالي، حدا لنشاطها الإجرامي.
* إعداد: عبد الحفيظ محمد
إصرار وترصد
لم يكن يدري المسمى (علي.ب)، أب في عقده السادس وله أربعة أبناء من زواجه بسيدتين والمعروف بمدينة مراكش كرجل أعمال ناجح حيث كان على رأس العديد من الشركات العاملة في تجارة الخشب ويمتلك فيلتين بأحد الأحياء الراقية بالمدينة الحمراء، أن هناك من كان يترصد تحركاته ويتتبع خطواته ويحصي ممتلكاته وينتظر ساعة الصفر لاختطافه ومن ثمة احتجازه كرهينة مقابل فدية.
طريقة هوليودية
ففي إحدى ليالي منتصف شهر ماي من سنة 2010، توجه (علي.ب) على متن سيارته الفارهة من نوع مرسيدس إلى حي المحاميد بمراكش لزيارة أحد أصدقائه، الذي كان في انتظاره أمام منزله.
ركن (علي.ب) سيارته ودخل إلى منزل صديقه، لكنه لم يكن يعلم بأن هناك من كان يتعقب خطواته، حيث كان يقف خلسة ليس بعيدا من سيارته شاب يمتطي دراجة نارية ويتحدث عبر هاتفه النقال مع زعيمه في العصابة الإجرامية، ليخبره بعنوان المكان حيث يتواجد الهدف…
خرج (علي.ب) من منزل صديقه بعد مرور بضع ساعات قضاها في ضيافته، واتجه نحو سيارته، وأدار محركها، وانطلق بسرعة باتجاه وسط المدينة، من دون أن يدري ما يخبئه له قدره، لاسيما وأن حي المحاميد يعتبر من الأحياء النائية المحيطة بمراكش. ومن هنا اعتبر منطقة مناسبة للعصابة لتنفيذ مشروعها الإجرامي.
وفي منتصف الطريق، وبينما كان (علي.ب) يسير على متن سيارته المرسيدس على المدار الطرقي، الذي يلتف حول المدينة وتحيط به بساتين الزيتون، قطعت فجأة سيارة من نوع “فورد فييستا” عليه الطريق، مما اضطره إلى الضغط بسرعة على الفرامل لتفادي الاصطدام.
وقبل أن يتمكن من التقاط أنفاسه، تقدم نحوه شخصان مدججان بأسلحة بيضاء، وأخرجاه من سيارته، ثم وضعا على رأسه كيس طحين، قبل أن يرمياه داخل سيارة، إذ تكلف شخصان آخران بتكبيله لشل حركته، ومن ثمة انطلقت بسرعة فائقة في اتجاه مجهول متبوعة بسيارته أيضا التي كان يقودها أحد أفراد العصابة.
وبعد اجتياز عدة كيلومترات قام أفراد العصابة بوضعه عنوة في صندوق سيارته المرسيدس قبل إدخاله إلى أحد المنازل.
طلب فدية
مرة هناك، أخبر أفراد العصابة(علي.ب) بأنه محتجز كرهينة وأن إطلاق سراحه رهين بتسليمهم فدية حددوها في 50 مليون سنتيم. فأجابهم بأنه لا يتوفر على مثل هذا المبلغ.
لكن الذي يبدو أنه زعيم عصابة الخاطفين رد عليه بلهجة مراكشية حادة بأنه يعرف عنه كل صغيرة وكبيرة وقدم له الدليل على ما يقول بالتفاصيل المملة. وبدأ يسرد عليه عناوين مستودعاته وعناوين فيلاته، كما أعطاه حتى أسماء أبنائه الواحد تلو الآخر.
وبلغة لا تخلو من تهديد، أكد له بأنه على استعداد لاختطاف أبنائه أيضا في أي وقت يريد. كما هدده كذلك بقتله إن لم يلب مطلبهم حيث كانوا يقومون بوخزه بواسطة رؤوس سكاكينهم الحادة.
إلا أن، (علي.ب) ظل صامدا في وجه تهديدات أفراد هذه العصابة الإجرامية، الذين تركوه ممددا على سرير وهو معصوب العينين حيث كان يسمعهم يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم في جلسة خمرية ويدخنون المخدرات.
ظل (علي.ب) يفكر طوال الليل في الكيفية التي يمكن أن يخلص بها نفسه من خاطفيه المصممين على إيذائه وحتى تصفيته جسديا إن لم يستجيب لطلبهم، إذ بدأ في استعراض كل السيناريوهات الممكنة، لكنه قرر في آخر المطاف الاستجابة لمطلبهم.
وفي الصباح الباكر أخبر (علي.ب) أفراد العصابة بأنه على استعداد لدفع فدية تقدر بـ 25 مليون سنتيم مقابل إطلاق سراحه.
وأمام هذا العرض السخي لم يتردد أفراد العصابة في الموافقة على قبول اقتراح رهينتهم. فجلبوا له هاتفه المحمول ليتصل بزوجته الثانية التي قال لها بأنه في حاجة ماسة إلى مده بمبلغ 25 مليون سنتيم، كما أخبرها بأن تسلم هذا المبلغ في حقيبة إلى صديقه الذي سيأتي على متن سيارته المرسيدس لأخذها.
وبما أن زوجة (علي.ب) الثانية، كانت تعتقد أن زوجها قضى الليلة لدى ضرتها، فإنها لم تشك في أي شيء، حيث توجهت إلى الوكالة البنكية وسحبت المبلغ المالي المذكور، كما أمرها بذلك زوجها.
وفي حوالي منتصف النهار، أتى بالفعل شاب وهو يقود سيارة زوجها المرسيدس، التي ركنها بالقرب من الباب الخلفي للفيلا، وترك محركها يشتغل، فسلمته الحقيبة مملوءة بأوراق نقدية من فئة مائتي درهما.
لم يخلف أفراد عصابة الخاطفين بوعدهم، فبمجرد تسلمهم للفدية أطلقوا سراح (علي.ب) على الطريق الرابط بين مراكش وبن جرير، كما أعادوا إليه سيارته.
لكنهم بالمقابل هددوه بأنهم سينتقمون منه شر انتقام إذا تجرأ على تقديم شكاية حول قضية اختطافه لدى مصالح الشرطة.
إلا أن (علي.ب) وبعد أن تعافى من صدمة الاختطاف قرر الذهاب إلى مفوضية الشرطة لوضع شكاية بخصوص قضية اختطافه، حيث تم فتح تحقيق في الموضوع، لكن من دون أن يسفر هذا التحقيق على نتائج تذكر.
ابتلاع الطعم
في نهاية شهر يوليوز من سنة 2010، عاد المسمى حسن، مهاجر مغربي في عقده السادس يقيم ببلجيكا، إلى أرض الوطن لقضاء العطلة الصيفية بين الأهل والأحباب، حيث استقر في منزله الكائن في دوار معطى الله.
وبينما كان حسن وأسرته على وشك الذهاب لتلبية دعوة أسرة زوجته لتناول العشاء في إحدى مساءات ذلك الصيف القائظ، رن هاتفه المحمول. وكانت على الطرف الآخر من الخط فتاة ذات صوت رخيم لم يعتد حسن على سماعه من قبل، فأخبرها بأنها ربما ركبت الرقم الخطأ، لكنها أكدت له بأن الرقم صحيح وأنه هو من أعطاه لها للاتصال به في أي وقت تريد.. إلا أنه لم يتذكر متى وأين تم ذلك. ونظرا لكونه اعتاد على التحرش بالجنس الآخر عندما يكون في المغرب، فقد حدد معها موعدا للقاء.
وبمجرد أن أعاد أسرته إلى المنزل، أطلق حسن العنان لسيارته من نوع بيجو للوصول في الموعد المحدد للقاء تلك الفتاة التي يجهل عنها كل شيء. وعند لقائها به لم تتردد الفتاة في الاقتراح عليه خدمة سريعة على متن سيارته.
استحسن حسن الفكرة، فانطلق بسيارته رفقة الفتاة على الطريق المؤدية لدوار شريفية، حيث كان يحدوه الأمل في إيجاد زاوية مظلمة وبعيدة عن العيون على جانب الطريق.
وفي الوقت الذي كان فيه حسن منهمكا في البحث عن مكان آمن لقضاء نزوة عابرة مع فتاة لا يعرف عنها أي شيء، إذا بسيارة من نوع “شيفروليه” تقطع عليه فجأة الطريق وتجبره على التوقف. حيث نزل منها رجلان ادعى أحدهما أنه زوج السيدة التي برفقته.
وبما أن حسن رفض الإذعان لأمرهما بالنزول من سيارته، فإنهما لم يترددا في إشهار أسلحتهما البيضاء في وجهه لإرغامه على الامتثال لأوامرهما لكي لا يصاب بأذى. فقاما بتعصيب عينيه بواسطة لفافة تم إخفاؤها تحت نظارات شمسية للتمويه، قبل وضعه في السيارة والسير بها حتى الوصول إلى أحد المنازل، حيث تم إحتجازه هناك كرهينة.
فطلب الخاطفون من حسن مبلغ 100 مليون سنتيم كفدية مقابل إطلاق سراحه. لكنه رد على خاطفيه بأنه لا يتوفر على مبلغ مالي من هذا الحجم. فطلبوا منه مدهم بالرموز السرية لبطاقاته البنكية، ولكنه رفض رفضا قاطعا القيام بذلك الفعل…
وأمام رفضه الامتثال لأوامر خاطفيه قاموا بتهديده لعله يدعن في نهاية المطاف. لكنهم لم ينفذوا تهديداتهم أمام مقاومته. وأمام حالته الصحية أيضا حيث أصبح شاحبا، ويتصبب عرقا، ويشعر بالإغماء وبحشرجة الموت.
وبعد مرور بضع ساعات، تركوه هو وسيارته على الطريق المؤدية إلى دوار الشريفية. فاعتقد في بداية الأمر بأنه أفلت من العقاب وأن كل ما ضاع منه سوى هاتفه النقال فقط. ولكن بمجرد دخوله إلى منزله حتى اكتشف أن منزله تعرض لعملية سطو من دون كسر، حيث سرق الجناة مبلغ مالي يقدر بـألف أورو، ومبلغ آخر قدر بـ 32 ألف درهما. فتساءل مع قرارات نفسه عن الكيفية التي تمكن بها الجناة من معرفة عنوان منزله بالمغرب، لاسيما وأن وثائقه تحمل فقط عنوان مقر إقامته ببلجيكا. فرسمت على محياه علامة إستفهام كبيرة. وعاد حسن إلى بلجيكا دون وضع شكاية لدى مصالح الشرطة خوفا من الفضيحة.
جلسة خمرية
وبعد مرور مسافة زمنية ليست بالهينة على عملية اختطاف (علي.ب)، بدأ المسمى محمد ومهنته إصلاح الدراجات في حي يوسف بنعلي بمدينة مراكش، في جلسة خمرية تمكن فيها الكحول من حل عقدة لسانه، وبدأ يتفاخر أمام مستمعيه الذين أصابهم الذهول لما بلغ إلى مسامعهم بأنه شارك السنة الماضية في عملية اختطاف أحد رجال الأثرياء، الذي لم يتم إطلاق سراحه إلا بعد أن دفع فدية قدرها 25 مليون سنتيم، واشتكى محمد أيضا بأن نصيبه من هذا المبلغ الهام لم يتجاوز 2000 درهما.
لكن حكاية محمد لم تذهب أدراج الرياح ولم تقع على أذان صماء، بل التقطها أحد المخبرين الذي حملها بسرعة إلى أحد ضباط الشرطة القضائية بساحة جامع الفنا.
وبمجرد توصلها بهذه الإخبارية، باشرت المصالح الأمنية المختصة تحرياتها للتأكد من صحة المعطيات الواردة في حكاية محمد، حيث تبين لها بأن الوقائع متطابقة مع الحقائق الواردة في الشكاية المتعلقة بقضية اختطاف المسمى (علي.ب) والتي لم يتم بعد تفكيك لغزها.
تم توقيف محمد من طرف الشرطة والاستماع لأقواله بخصوص هذه القضية.
وبعد التصريحات الواردة في اعترافات المعني بالأمر باشرت عناصر الأمن سلسلة من التوقيفات همت زميله عبد العزيز، الذي يمتهن هو الآخر مهنة إصلاح الدراجات، وعبد الغفور، عاطل عن العمل، وابن عمه الزبير، الذي يشتعل سمسارا في مجال العقار، وخليلته المسماة نورة، كانت تعمل راقصة قبل أن تتحول إلى ممارسة الدعارة الراقية.
ولتعميق البحث في قضية اختطاف (علي.ب)، وجه الفريق المكلف بالتحقيق استدعاء لزوجته التي تم عرض المسمى الزبير على نظرها حيث تمكنت من التعرف عليه بسهولة، مؤكدة بأنه هو الرجل الذي جاء على متن سيارة زوجها وقدم لها نفسه بأنه مبعوث من طرفه لاسترداد الحقيبة التي كانت تحتوي على مبلغ 25 مليون سنتيم.
العقل المدبر
توصل المحققون في نهاية المطاف إلى اعتبار المسمى الزبير بأنه العقل المدبر لعصابة المختطفين. وعند الاستماع لأقواله من قبل فريق المحققين، اعترف بالمنسوب إليه، حيث أقر على أنه قبل بضع سنوات، لاسيما عندما كانت المدينة الحمراء ترفل في ذروة فقاعتها العقارية، تمكن من إنجاز عدة صفقات مربحة مكنته من جمع ثروة هائلة. ومنذ أن أخذت أسعار العقار منحا تنازليا، حاول بطريقة ما إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكنه وجد نفسه غارقا وسط كومة من الشيكات بدون رصيد، بالإضافة إلى دوامة من المشاكل الأسرية.
وأمام انسداد كل الآفاق أمامه قرر الزبير القيام بعملية خطف رجل الأعمال (علي.ب) الذي سبق أن سمع عن ثروته الطائلة. ولهذا، قام بتدبير عملية اختطافه التي وضع لها خطة محكمة حتى تكلل بالنجاح.
واعترف الزبير بأنه قام في البداية بتعقب آثار (علي.ب) على مدى عدة أشهر، وتمكن من استقطاب ابن عمه محمد وصديقه عبد الغفور، اللذان استقطبا بدورهما رجالا آخرين. فاستأجروا سيارات وشققا مفروشة بغرض استغلالها في عمليات الخطف والاحتجاز. وبعد أن تم تنفيذ مشروعه الإجرامي بنجاح سدد ديونه، ووزع الفتات على شركائه.
كما اعترف الزبير أيضا بتدبيره لعملية الاختطاف الثانية، التي استهدفت المهاجر المغربي حسن الذي يقيم بالديار البلجيكية وزوج جدة يوسف، حيث نفذ هذه العملية بتواطؤ مع هذا الأخير. لأن يوسف كان يعلم بميل قريبه للفتيات ومن ثمة اقترح اسمه على العصابة ليكون هدفا لعمليتها المقبلة، حيث مدها بجميع المعلومات المتعلقة بحسن، بما في ذلك التوقيت الذي سيكون فيه منزله فارغا في تلك الليلة التي دعته فيها جدته وأسرته لتناول العشاء.
وخلص الزبير اعترافاته بالكشف على أنه كان بمعية خليلته نورة، بصدد التخطيط لعملية اختطاف ثالثة كانت تستهدف هذه المرة أحد المنعشين العقاريين الأثرياء بالدار البيضاء، الذي كانت تجمعه بخليلته معرفة خاصة جدا في مراكش.