من دموع ليون 1998 إلى طموح مونديال 2026.. كيف حوّل المغرب مرارة الماضي إلى قوة للمستقبل؟
متابعة:م.م
ثمانية وعشرون عاما مرت على واحدة من أكثر اللحظات إيلاما في تاريخ الكرة المغربية. فما زالت ذكرى مونديال فرنسا 1998 حاضرة في وجدان كل مغربي تابع تلك البطولة، حين غادر المنتخب الوطني المنافسات رغم تقديمه مستويات كبيرة كانت تستحق العبور إلى الدور الثاني.
في ذلك المونديال، ظهر “أسود الأطلس” بصورة مشرفة، فتعادلوا مع النرويج بهدفين لمثلهما، وقدموا مباراة قوية أمام البرازيل، قبل أن يحققوا انتصارا تاريخيا على اسكتلندا بثلاثية نظيفة. أربعة نقاط بدت كافية لكتابة صفحة جديدة في تاريخ الكرة المغربية، غير أن نتائج المجموعة في الجولة الأخيرة حرمت المغرب من التأهل، بعدما فازت النرويج على البرازيل بهدفين مقابل هدف، لتخطف بطاقة العبور الثانية. ومنذ ذلك اليوم، ظل كثير من الجماهير المغربية يعتبر ما حدث في ليون من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ مشاركات المنتخب الوطني.
وبعد سنوات طويلة، دخل المغرب مرحلة جديدة عنوانها الطموح والعمل. ففي عام 2025، احتضنت المملكة نهائيات كأس أمم إفريقيا، مؤكدة قدرتها على تنظيم تظاهرات كبرى وفق أعلى المعايير، من خلال بنية تحتية متطورة، وملاعب حديثة، وتنظيم حظي بإشادة واسعة. ورغم الجدل الذي رافق بعض مباريات البطولة، بقي نجاح المغرب في احتضان الحدث القاري عنوانا بارزا في المشهد الرياضي الإفريقي.
أما في كأس العالم 2026، فقد بدا وكأن الزمن يمنح المغرب فرصة لكتابة فصل جديد. فالمنتخب النرويجي، الذي كان طرفا في سيناريو إقصاء المغرب سنة 1998، نجح هذه المرة في إقصاء البرازيل من ثمن النهائي، في مفارقة أعادت إلى الأذهان ذكريات الماضي، دون أن تغير من حقيقة أن كرة القدم تظل لعبة تحسمها نتائج الميدان.
لكن الفارق الحقيقي بين الأمس واليوم لا يكمن في نتائج المنتخبات الأخرى، بل في التحول الذي عرفته الكرة المغربية نفسها. فالمغرب الحالي لم يعد ذلك المنتخب الذي ينتظر هدايا المنافسين أو يحسب سيناريوهات التأهل، بل أصبح منتخبا يفرض نفسه بإنجازاته، بعد بلوغه نصف نهائي كأس العالم 2022، ومواصلته الحضور بقوة في الساحة الكروية العالمية، مستندا إلى منظومة احترافية، وتكوين متطور، ولاعبين ومدربين ينافسون في أعلى المستويات.
لقد تغيرت العقلية قبل أن تتغير النتائج. فبدل الوقوف عند مرارة الماضي، اختار المغرب الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير التكوين، وبناء مشروع رياضي طويل الأمد، جعل المنتخب الوطني يدخل كل بطولة بطموح المنافسة لا بمجرد المشاركة.
وربما تكون أهم رسالة تحملها هذه المسيرة أن النجاح لا يولد من لحظة واحدة، بل هو ثمرة سنوات من العمل والصبر والإيمان بالمشروع. فدموع ليون لم تذهب سدى، بل تحولت إلى دافع لبناء منتخب قادر على مقارعة كبار العالم، ودولة أصبحت مرجعا في تنظيم أكبر التظاهرات الرياضية.
واليوم، لا يخوض المغرب المنافسات لإثبات أنه كان مظلوما في الماضي، بل لإثبات أنه أصبح واحدا من كبار كرة القدم العالمية، وأن المستقبل يصنعه العمل أكثر مما تصنعه الذكريات.
ديما مغرب.