عندما ينزل التضامن إلى الشارع: جمعيتان بإنزكان تختاران الإنسان بعيدا عن الحسابات

متابعة :رضوان الصاوي

في زمنٍ اختلطت فيه الأدوار، وتراجعت فيه القيم أمام حسابات الدعم والانتخابات، اختارت جمعية العهد الجديد بإنزكان لبائعي الهواتف النقالة المستعملة و جمعية تيفاوين بسفوح الجبال أن تخرج عن السرب، وأن تُنزل العمل الجمعوي من مكاتب التوقيعات والبلاغات إلى الشارع، حيث البرد قارس، والحاجة مُلحّة، والإنسان منسيّ. لم تنتظر عدسات، ولم تبحث عن “البوز”، بل تحركت بدافع أخلاقي صِرف، في لحظة تختبر فيها المجتمعات معدن التضامن الحقيقي.

ليلة السبت/الأحد 3 و4 يناير 2026، وفي خضم أحوال جوية غير مستقرة ونشرات إنذارية رسمية دعت إلى أقصى درجات الحيطة والحذر، بادرت جمعيتين العهد الجديد و تيفاوين بسفوح الجبال إلى تهييء وتوزيع أزيد من 500 وجبة غذائية متكاملة لفائدة المتشردين والفقراء والنائمين في العراء، بمحيط المحطة الطرقية بإنزكان وشارع ابن سينا وشارع محمد الخامس.

خطوة إنسانية جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعيش المنطقة حالة تأهب قصوى بفعل التقلبات المناخية، ما جعل من هذا التدخل عملاً مضاعف القيمة: إغاثة في زمن الخطر، وتضامن في لحظة امتحان.

ما يميز تجربة الجمعيتين العهد الجديد و تيفاوين ليس فقط حجم المبادرة، بل دلالتها العميقة. فالجمعية، التي تضم في مكوناتها بائعي الهواتف النقالة المستعملة، اختارت عن وعي أن تجعل إلى جانب جمعية تيفاوين من العمل الخيري بوصلتهما الأساسية، وأن تُحوّل الانتماء المهني إلى رافعة للسلوك المدني والتربية على العطاء. هنا، لا حديث عن مصالح شخصية، ولا عن استثمار سياسي، بل عن قناعة راسخة بأن العمل الجمعوي رسالة قبل أن يكون إطاراً قانونياً.

هذه المبادرة تُعرّي، في المقابل، واقع عدد من الجمعيات التي انحرفت عن رسالتها الأصلية، وتحولت إلى مكاتب لاستهلاك الدعم العمومي أو دكاكين انتخابية موسمية، لا تتحرك إلا حين تقترب الاستحقاقات، ولا ترى في الفئات الهشة سوى أرقام في تقارير شكلية. جمعية العهد الجديد، بالفعل لا بالقول، تضع الجميع أمام مرآة المسؤولية، وتطرح سؤال الجدوى: من يخدم المجتمع حقاً ؟ ومن يكتفي باستهلاك اسمه ؟

ما قامت به جمعية العهد الجديد بإنزكان و جمعية تيفاوين ليس عملاً خيرياً عابراً، بل موقف أخلاقي واضح ورسالة قوية مفادها أن العمل الجمعوي الحقيقي يُقاس بالأثر في الميدان، لا بعدد الملفات ولا بحجم الدعم. في زمن البرد والعواصف، اختارت الجمعيتان أن تكون الدفء، وفي زمن الالتباس، اختارت أن تكون الوضوح.

إنها دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لجوهر الفعل الجمعوي: خدمة الإنسان، بكرامة، وبصمت، وبمسؤولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.