اللعبة الكبرى وسقوط الأقنعة: حين تتحول القوة إلى بلطجة عابرة للحدود

معكم 24/ تحليل

 

لم يعد إسقاط الدول يُدار في الخفاء أو عبر انقلابات كلاسيكية تُحاك في الغرف المغلقة. نحن اليوم أمام نمط جديد وأكثر فجاجة، تقوم فيه القوة الأمريكية بممارسة بلطجة معلنة، تُبثّ على المباشر، وتُقدَّم للرأي العام العالمي بوصفها دفاعًا عن “الديمقراطية” و“حقوق الإنسان”، بينما هي في جوهرها إخضاع سياسي واستراتيجي بالقوة العارية.

ما يجري اليوم ليس حادثًا معزولًا ولا خطأً في التقدير، بل سياسة ممنهجة تُفعَّل كلما تجرأت دولة على قول “لا”. لقد تحولت السيادة، في هذا العالم، من حق مكفول إلى امتياز مشروط بالطاعة والانخراط في بيت الطاعة الإمبراطوري.

من الدولة إلى الغنيمة

عندما يُختطف رئيس من مقر إقامته، ويُستهدف وزير دفاع داخل بيته، وتُشلّ الدفاعات الجوية في دقائق، ويصمت جيشٌ كامل، فإن الأمر يتجاوز الحديث عن فشل داخلي أو اختراق أمني. نحن أمام عرض قوة مقصود، هدفه الإذلال قبل الإطاحة، وكسر فكرة الدولة ذاتها.
الرسالة صريحة: لا دستور، ولا جيش، ولا حدود، إن تعارضت مع إرادة الإمبراطورية.

في هذا السياق، لم تُستهدف فنزويلا لأنها فشلت اقتصاديًا فحسب، بل لأنها رفضت أن تكون دمية. بلد يملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، لكنه قرر الخروج عن بيت الطاعة، فكان الجزاء حصارًا وتجويعًا وتشويهًا ممنهجًا، ثم محاولة تفكيك كاملة للدولة تحت لافتة “إنقاذ الشعب”.

الديمقراطية كسلاح خطابي

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل تُصدَّر الديمقراطية بالدبابات والعقوبات؟
التجربة تقول العكس تمامًا. ما أنتجته التدخلات الأمريكية لم يكن دولًا ديمقراطية مستقرة، بل دولًا منهكة، مفككة، غارقة في الفوضى. العراق مثال صارخ: قيل إن الهدف إسقاط الدكتاتورية وبناء نموذج ديمقراطي، لكن النتيجة كانت دولة مدمَّرة، ومجتمعًا ممزقًا، وإقليمًا أكثر اضطرابًا.

هنا، لا تبدو الديمقراطية قيمة بقدر ما هي ذريعة جاهزة، تُستعمل حين تخدم المصالح، وتُنسى تمامًا حين تصبح كلفتها مرتفعة.

لماذا يُعاقَب من قال “لا” فقط؟

إذا كانت الولايات المتحدة تحرّكها المبادئ، فلماذا لا يُطبَّق المنطق نفسه على دول أخرى؟
لماذا لا نرى السيناريو ذاته في كوريا الشمالية مثلًا؟

الجواب بسيط ومخيف في آن واحد: ميزان القوة.
حيث توجد كلفة عالية—ردع نووي، مخاطر حرب شاملة، أو تهديد مباشر للمصالح الأمريكية—تسود لغة التفاوض والاحتواء.
وحيث تكون الكلفة منخفضة—تفوق عسكري كاسح، عزلة دولية، وهشاشة داخلية—تُفعَّل سياسة البلطجة دون تردد.

ليست المسألة أخلاقًا ولا قيمًا، بل حسابات ربح وخسارة بحتة.

بلطجة دولة لا نزوة رئيس

قد يربط البعض هذا السلوك بأشخاص بعينهم، مثل دونالد ترامب، لكن الحقيقة أعمق. ما نراه ليس انحراف رئيس، بل نهج دولة مستمر منذ عقود، اختلفت أساليبه وبقي جوهره ثابتًا:
القانون الدولي محترم ما دام لا يعيق المصالح، وإذا أعاقها يُدهس بلا تردد.

ترامب قال ما كان يُقال همسًا، وتصرف بفجاجة، لكن السياسة نفسها مورست قبله وستُمارَس بعده.

عالم بلا أوهام

ما نعيشه اليوم هو إعلان صريح بأن العالم لا تحكمه القيم بل القوة، وأن السيادة مفهوم هشّ أمام آلة الهيمنة. الذي سقط مع فنزويلا، أو العراق، أو غيرهما، ليس نظامًا سياسيًا فقط، بل وهم النظام الدولي العادل.

في هذا العالم، لا مكان للحياد طويل الأمد. الدول أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما امتلاك عناصر الردع والاستقلال الحقيقي،
أو القبول بدور التابع وانتظار الدور في قائمة الإخضاع.

أما الحديث عن عدالة دولية وقانون أممي، فلم يعد سوى خطاب جميل للاستهلاك الإعلامي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.