رباح يعود من بوابة أكادير–إنزكان… منتدى تنموي بملامح مشروع سياسي قيد التشكل

متابعة: ر. الصاوي.

لا شيء يحدث بالصدفة في المشهد السياسي المغربي. فبين الهدوء الظاهر فوق السطح، والتحركات المتسارعة في العمق، تظهر مبادرات تحمل أكثر مما تعلن، وتخفي ما يكفي لإعادة رسم الخريطة التنظيمية للأحزاب والفاعلين. ضمن هذا السياق، يبرز اسم عبد العزيز رباح من جديد، الرجل الذي شغل مواقع متقدمة داخل العدالة والتنمية، قبل أن تُغلق في وجهه أبواب العودة عبر بوابة القيادة التقليدية للحزب.

مبادرة “الوطن أولاً ودائماً” لم تعد مجرد إطار جمعوي؛ هي اليوم مشروع يتحرك بتدرج محسوب، يبني فروعه، ويوسّع شبكاته، ويختبر توازنات جديدة. والظهور الأخير للرباح في إنزكان، خلال تأسيس منتدى أكادير–إنزكان للتنمية، لم يكن حدثاً عادياً، بل خطوة ذات حمولة سياسية تعيد طرح السؤال: هل نحن أمام عمل جمعوي محض أم أمام هندسة هادئة لمسار سياسي أكثر جرأة؟

وفي هذا السياق، شهدت مدينة إنزكان، يوم الإثنين 24 نونبر 2025، انعقاد الجمع العام التأسيسي لمنتدى أكادير–إنزكان للتنمية داخل القاعة متعددة الاستعمالات بإنزكان، في أجواء طبعتها الكولسة والتكتم الكبير، حيث وُجِّهت الدعوات إلى أسماء محددة دون غيرها، فيما جرى تجاهل تام للصحافة المهنية بالمدينة، ما أثار بدوره تساؤلات حول طبيعة هذا النشاط ومراميه، كما تم التركيز على عدد ممن لفظتهم أمواج العدالة والتنمية…

اللقاء أسفر عن انتخاب إبراهيم المرابط رئيساً للمنتدى، وذلك بحضور عبد العزيز الرباح باعتباره الرئيس الوطني لجمعية “مبادرة الوطن أولاً ودائماً”، حيث إن حضور الرباح لم يكن بروتوكولياً، بل كان محمّلاً بإشارات لا تخطئها أعين المتابعين، خاصة مع التوسع السريع لفروع الجمعية خلال الأشهر الأخيرة.

الرباح… من خيبة التموقع داخل الحزب إلى بناء واجهة بديلة

منذ عودة عبد الإله ابن كيران إلى المشهد السياسي و قيادة حزب العدالة والتنمية، تراجعت حظوظ مجموعة من القياديين السابقين، ومن بينهم عبد العزيز الرباح، الذي كان يُنظر إليه كأحد أبرز المرشحين لقيادة الحزب خلال مرحلة ما بعد العثماني، هذا التحول دفع الرجل إلى إعادة بعثرة أوراقه خارج القنوات الحزبية الرسمية.

في هذا الصدد، تتجه مجموعة من القراءات السياسية إلى اعتبار مبادرة “الوطن أولاً ودائماً” بداية تموقع جديد، وربما الركيزة الأولى لإطار سياسي مستقبلي، خصوصاً أن رباح بات يشتغل على تجميع “المنسحبين” أو “غير الراضين” أو الساقطين من سفينة العدالة والتنمية و حركته الدعوية.

اختيار منطقة أكادير–إنزكان ليس اعتباطياً؛ فهي تُعرف تاريخياً بوجود قاعدة قوية لحركة التوحيد والإصلاح، و من خلالها حزب العدالة والتنمية، كما أنها المعقل الأول للقيادي سعد الدين العثماني، مع بروز قيادات لها تأثير داخل البيجيدي. و ما يجعل خطوة الرباح محطّ اهتمام هو الحضور الوازن لبعض الوجوه ذات الخلفية التنظيمية، وهو ما دفع مراقبين إلى قراءة هذا الحدث باعتباره محاولة لاستقطاب قواعد قد تكون مستعدة للانتقال نحو خيار تنظيمي جديد.

كما أن طريقة تدبير الجمع العام، من خلال الحضور الانتقائي وكولسة الأسماء، تثير انطباعاً بأن المشروع تجري هندسته بهدوء بعيداً عن أعين المتتبعين المحليين ووسائل الإعلام.

و رغم عدم وجود إعلان رسمي حول نية تأسيس حزب سياسي، إلا أن مسار بناء الفروع الجهوية، واختيار الأسماء، والتحركات الهادئة، كلها مؤشرات توحي بأن الرجل لا يخطط لعودة محدودة، بل يؤسس لحاضنة تنظيمية يمكن أن تشكل، في مرحلة لاحقة، قاعدة انطلاق لحزب جديد ينافس مباشرة العدالة والتنمية باعتباره الخصم رقم واحد للرباح …

في المقابل، تبقى هذه القراءة مرتبطة بالتحليل السياسي لا بالتصريحات، إذ لم يُدلِ الرباح بأي موقف يؤكد أو ينفي هذا الاتجاه، ما يزيد من مساحة التأويل والتساؤل.

ما حدث في إنزكان ليس مجرد نشاط جمعوي معزول، بل حلقة ضمن سلسلة خطوات محسوبة تُظهر أن عبد العزيز الرباح بصدد إعادة صياغة موقعه داخل المشهد السياسي الوطني. بين طموح العودة ورغبة بناء إطار بديل، وبين القوة الرمزية التي راكمها في تجاربه السابقة داخل المصباح، والفراغ الذي خلّفته التحولات الأخيرة داخل البيجيدي، حيث يبدو أن الرجل يسير نحو مرحلة جديدة من مساره.

السؤال: هل ستكون هذه الدينامية مقدمة لولادة حزب جديد، أم مجرد محاولة لاستعادة المكانة داخل معادلة سياسية أكثر تعقيداً ؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة… لكن المؤكد أن المشهد السياسي المغربي قد دخل فعلاً مرحلة إعادة تشكيل عميقة، ورباح أحد الفاعلين الذين يتحركون في قلبها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.