صفقات الحراسة والنظافة بالمؤسسات الصحية تثير الجدل: مليارات السنتيمات تحت مجهر الشفافية
معكم 24
تشهد عدد من الجهات الصحية بالمملكة في الآونة الأخيرة جدلا متصاعدا حول صفقات ضخمة تتعلق بخدمات الحراسة والنظافة داخل المؤسسات الاستشفائية، بلغت قيمتها الإجمالية عشرات المليارات من السنتيمات، وسط تساؤلات عن مدى احترام معايير الشفافية والمنافسة النزيهة في تدبير هذه العقود الحساسة التي تمس بشكل مباشر حياة المواطنين وجودة الخدمات الصحية.
وحسب مصادر مطلعة ، ففي جهة فاس – مكناس، جرى بتاريخ 9 شتنبر 2025 فتح أظرفة صفقة الحراسة الخاصة بالمؤسسات الصحية التابعة للجهة، والتي قسمت إلى ثلاث حصص رئيسية بلغت قيمتها الإجمالية نحو 6 مليارات سنتيم.
وتوزعت هذه الحصص على الشكل التالي:
الحصة الأولى: همّت المؤسسات الصحية بأقاليم فاس، بولمان، صفرو، مولاي يعقوب، وتاونات، بقيمة مالية تجاوزت 3 مليارات و25 مليون سنتيم.
الحصة الثانية: شملت أقاليم مكناس، إفران، والحاجب، بقيمة إجمالية تفوق 2 مليار و135 مليون سنتيم.
الحصة الثالثة: خُصصت لإقليم تازة وحده، بقيمة بلغت حوالي 635 مليون سنتيم، وهو ما أثار استغراب عدد من المتتبعين بالنظر إلى حجم الإقليم وعدد مؤسساته الصحية مقارنة بباقي الأقاليم.
وحسب ذات المصادر فقد انتهت أشغال لجنة تقييم العروض يوم الجمعة 3 أكتوبر 2025، وتم توقيع الصفقة في إطار ما وصفه بعض المراقبين بـ”تسونامي الصفقات العمومية” الذي يجتاح قطاع الصحة خلال الأشهر الأخيرة.
الجدل لم يتوقف عند جهة فاس – مكناس، إذ تزامن تقريبا مع الإعلان عن صفقة ضخمة أخرى بجهة درعة – تافيلالت تجاوزت قيمتها 3 مليارات سنتيم، حيث تم فتح الأظرفة بتاريخ 26 غشت 2025، واختُتمت أشغال اللجنة يوم 1 أكتوبر 2025.
أما في جهة الشرق، فقد تم الكشف عن صفقة حراسة كبرى قُسمت إلى حصتين تجاوزت قيمتها 5 مليارات و571 مليون سنتيم، أنهت لجنتها أشغالها بتاريخ 8 شتنبر 2025، إلى جانب صفقة النظافة التي بلغت قيمتها أكثر من 2 مليار و858 مليون سنتيم، واختُتمت أشغالها يوم 22 شتنبر 2025.
هذه الأرقام الضخمة، المتقاربة في تواريخها وإجراءاتها، أثارت موجة تساؤلات واسعة في الأوساط النقابية والإعلامية حول توقيت إطلاق الصفقات وطبيعة الشركات المستفيدة، خاصة وأن بعض هذه العقود تتعلق بخدمات مستمرة يوميًا داخل المؤسسات الصحية، وتتطلب كفاءة عالية وتدبيرا صارمًا للموارد البشرية والمعدات.
وفي سياق متصل، قررت وزارة الصحة إلغاء عدد من الصفقات المرتبطة بخدمات النظافة والحراسة بالمركز الاستشفائي الإقليمي بمكناس، بعد أن تجاوزت قيمتها الإجمالية مليار سنتيم.
ووفق ما أوردته يومية الأخبار في عددها الأخير، فإن صفقة النظافة التي بلغت قيمتها أكثر من 134 مليون درهم أثارت جدلًا واسعًا عقب ترسيتها على تعاونية، ما طرح تساؤلات جدية حول أهليتها وقدرتها على تدبير خدمة حيوية داخل مؤسسة تستقبل مئات المرضى يوميًا.
وأشارت الجريدة إلى أن قرار الإلغاء جاء حرصًا من الوزارة على ضمان الشفافية والنزاهة في تدبير الصفقات العمومية، وخاصة تلك المتعلقة بالمرافق الحساسة المرتبطة مباشرة بصحة المواطنين وسلامتهم.
ويعتبر عدد من المتتبعين أن هذه الصفقات التي “تسيل اللعاب”، كما وصفها بعض الفاعلين، تعكس إشكالية بنيوية في منظومة الصفقات العمومية بقطاع الصحة، والتي لا تزال، رغم الإصلاحات القانونية، تشهد شبهات محاباة وغموضًا في معايير التقييم والترسية.
في المقابل، تؤكد مصادر أن جميع الصفقات تخضع لمساطر قانونية دقيقة ومراقبة مالية مسبقة، مشددة على أن أي خرق محتمل أو تلاعب تتم إحالته فورا على الهيئات الرقابية المختصة، بما في ذلك المفتشية العامة للوزارة والمجلس الأعلى للحسابات.
ورغم ذلك، يظل الجدل قائما في الشارع الصحي والإعلامي، حول الجدوى الاقتصادية والفنية لهذه الصفقات الضخمة، وحول مدى انسجامها مع سياسة ترشيد النفقات العمومية، خصوصًا في ظل محدودية ميزانية قطاع الصحة واحتياجاته المتزايدة في الموارد البشرية والتجهيزات الأساسية.