استقالة تهزّ النهضة والفضيلة.. غسان أعميرى يغادر سفينة فقدت البوصلة وأحزاب تتسابق لاستقطابه…
متابعة: رضوان الصاوي
لم تمر استقالة غسان أعميرى من حزب النهضة والفضيلة مرور الكرام، بل فجّرت أسئلة محرجة حول واقع الحزب وقدرته على الاحتفاظ بأطره وكفاءاته الشابة. فالخطوة التي أعلن عنها أعميري بدت، من خلال تصريحاته، أقرب إلى إعلان فقدان الثقة في أداء تنظيمي وسياسي اعتبره عاجزاً عن مواكبة التحولات والتفاعل مع القضايا التي يفترض أن تشكل جوهر العمل الحزبي.
وفي حوار خاص لبعض وسائل الإعلام، كشف أعميرى أن قرار المغادرة لم يكن نزوة سياسية عابرة أو رد فعل لحظة غضب، بل نتيجة تراكمات طويلة من الإحباط بسبب ما وصفه بتراجع الدينامية التنظيمية وضعف التفاعل مع الملفات الأساسية. وهي إشارات تضع قيادة الحزب أمام تساؤلات صعبة حول أسباب نزيف الأطر والمناضلين، وحول مدى نجاحها في الحفاظ على جاذبية المشروع الحزبي.
أعميرى لم يخفِ أن محاولات الإصلاح من الداخل اصطدمت بجدار من الجمود، الأمر الذي جعله يقتنع بأن الاستمرار داخل الإطار نفسه لم يعد ينسجم مع قناعاته السياسية. وبين سطور حديثه يبرز انطباع واضح بأن الأزمة ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة رؤية وتدبير واختيارات.
وفي الوقت الذي يحاول فيه حزب النهضة والفضيلة التقليل من وقع الاستقالات التي تطاله بين الفينة والأخرى، تبدو حالة أعميري مختلفة بالنظر إلى حضوره الأكاديمي والسياسي، خاصة بعد نجاحه في بناء مسار علمي في مجالي القانون والعلوم السياسية، وهو ما منحه، بحسب قوله، أدوات لفهم آليات اشتغال المؤسسات وتقييم الممارسة السياسية من زاوية معرفية لا تكتفي بالشعارات.
الأكثر إثارة في الحوار كان تأكيد أعميري تلقيه اتصالات من عدة أحزاب سياسية مباشرة بعد إعلان الاستقالة. معطى يكشف أن الرجل أصبح محل اهتمام داخل السوق السياسية المحلية، وأن خروجه من النهضة والفضيلة لم يُقرأ كانسحاب من العمل السياسي، بل كبداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم موقعه داخل المشهد الحزبي.
ورغم إقراره بوجود عروض سياسية متعددة، حرص أعميري على التأكيد أن وجهته المقبلة لم تُحسم بعد، وأنه يخضع الخيارات المطروحة لتقييم دقيق، بعيداً عن منطق القفز السريع بين الأحزاب أو البحث عن مواقع جاهزة.
وفي معرض حديثه عن مستقبله، شدد غسان على أن العمل الأكاديمي والسياسي بالنسبة إليه ليسا خطين متوازيين متناقضين، بل مجالين متكاملين يمكن أن يلتقيا في خدمة المصلحة العامة وصناعة القرار المبني على المعرفة.
وتكشفت تصريحات أعميرى أن المرحلة المقبلة ستُبنى على معايير يعتبرها حاسمة، في مقدمتها وضوح المشروع السياسي والجدية في العمل والقدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، مؤكداً أن البحث عن التأثير الحقيقي أهم من البحث عن المناصب أو المواقع.
سياسياً، تبدو استقالة غسان أعميرى أكثر من مجرد مغادرة تنظيمية عادية؛ فهي رسالة نقدية قوية إلى حزب وجد نفسه مجدداً أمام سؤال التجديد والفعالية. كما أنها تعكس حالة الحراك وإعادة التموضع التي تعرفها الساحة الحزبية، حيث أصبحت الكفاءات الشابة رقماً صعباً في معادلة الاستقطاب السياسي.
وبين حزب يخسر أحد وجوهه الشابة، وأحزاب تفتح قنوات التواصل لاستقطابه، يبقى السؤال المطروح: هل كانت استقالة أعميرى مجرد خروج فردي، أم أنها مؤشر على أزمة أعمق داخل حزب النهضة والفضيلة قد تكشف عنها الأيام المقبلة؟