الحبيب المالكي: الشعر ضرورة تربوية لتعزيز القيم والإبداع في المنظومة التعليمية
معكم 24
احتضن مقر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، اليوم 13 فبراير 2025 أشغال الدورة الأكاديمية حول “الشعر في منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي”، افتتحت بكلمة ألقاها الأستاذ الحبيب المالكي، رئيس المجلس الأعلى، بحضور نخبة من الأكاديميين والشعراء والمهتمين بالحقل التربوي والثقافي.
استهل المالكي كلمته بالتأكيد على أهمية هذه الندوة، التي تُنظم بشراكة مع مؤسسة بيت الشعر في المغرب، مشيرًا إلى أن موضوعها يلامس أحد المرتكزات الأساسية للمنظومة التربوية، وهو الشعر، باعتباره ليس مجرد نصوص تُدرّس، بل تجربة إنسانية غنية بالقيم والجماليات، تسهم في تكوين وعي المتعلم وإثراء خياله وتعميق إحساسه بالهوية والانتماء الثقافي. كما شدد على أن تدريس الشعر ينبغي أن يكون في صلب العملية التربوية، نظرًا لدوره في ترسيخ القيم الإنسانية والانفتاح على الثقافات المختلفة.
وأشار رئيس المجلس الأعلى إلى أن القلق الذي يساور العديد من الشعراء المغاربة، لا سيما المنتمين إلى أسرة التربية والتعليم، حول مصير الشعر في ظل التحولات التكنولوجية والعلمية المتسارعة، هو قلق مشروع، لكنه لا يجب أن يتحول إلى يأس أو انغلاق. بل بالعكس، فإن التحدي اليوم يكمن في البحث عن سبل جديدة تجعل من الشعر جزءًا أساسيًا في تكوين المتعلمين، حتى يظل حاضرًا في عالم يسوده منطق السوق وهيمنة الأدوات التقنية والذكاء الاصطناعي.
ولم يفت المالكي التذكير بالدور الريادي الذي لعبه بيت الشعر في المغرب، حين بادر إلى اقتراح إقرار يوم عالمي للشعر على منظمة اليونسكو، وهي المبادرة التي دعمتها الحكومة المغربية وقُبلت على المستوى الدولي، ما يعكس المكانة الرفيعة التي يحظى بها الشعر المغربي في المشهد الثقافي العالمي.
كما أوضح أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين، باعتباره مؤسسة دستورية استشارية، يولي أهمية خاصة للبعد الثقافي في العملية التعليمية، وهو ما يظهر في مختلف تقاريره واستشاراته. وفي هذا السياق، أكد أن المتعلم الذي تطمح المنظومة التربوية إلى تكوينه هو ذلك الإنسان العاقل، المبدع، القادر على التفكير والتخيّل، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات أو مستهلك للمعرفة.
وفي معرض حديثه عن التحديات التي تواجه تدريس الشعر، أشار المالكي إلى أن بعض التصورات التربوية الحديثة تحاول التقليل من قيمة المواد الأدبية والفلسفية والجمالية، لصالح مقاربات علمية وتقنية محضة، وهو ما يمثل اختزالًا لدور المدرسة في إعداد الإنسان المتكامل. وأكد أن تكوين العلماء والمهندسين والأطباء يجب أن يترافق مع إكسابهم ذائقة أدبية وثقافية، حتى يكونوا قادرين على التعبير عن أنفسهم والانفتاح على تجارب إنسانية أوسع.
واعتبر المالكي أن هناك سؤالًا جوهريًا يفرض نفسه في هذا السياق: كيف يمكن تدريس الشعر في زمن باتت تهيمن عليه النمذجة الإحصائية والذكاء الاصطناعي؟ هذا السؤال، برأيه، ينبغي أن يكون جزءًا من النقاش الأكاديمي والتربوي، خاصة أن المجلس الأعلى سبق أن انخرط في تناول قضايا مماثلة، مثل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتعليم، من خلال إصداراته وندواته العلمية.
وفي ختام كلمته، دعا المالكي إلى إيلاء اهتمام خاص بالشعر المغربي في المناهج الدراسية، بمختلف مراحله وتياراته، وعدم حصر النظرة التعليمية للشعر العربي في النماذج الكلاسيكية فقط، بل الانفتاح على تجارب شعرية متنوعة، بما في ذلك الشعر الإفريقي. كما شدد على ضرورة مراجعة المنهاج التعليمي ليشمل مقاربة أكثر تكاملًا بين الجوانب الأدبية والعلمية والتقنية، بما ينسجم مع روح دستور المملكة، الذي يؤكد على تعددية الهوية الثقافية المغربية، ويدعو إلى تعزيز الإبداع الفني والأدبي داخل المنظومة التربوية.
وختم المالكي حديثه بالتعبير عن أمله في أن تكون هذه الندوة خطوة جادة نحو تجديد المقاربة التربوية في التعامل مع الشعر، بما يسهم في