عبد الإله الخضري لـ«لمعكم 24»: القوانين الحالية لم تعد كافية لتحصين نزاهة الانتخابات أمام الأنماط المستجدة للفساد والتجاوزات
حاورته : هيام بحراوي
في قراءة حقوقية لمخرجات الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، يفتح عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، في هذا الحوار من ثلاث أسئلة ، مع موقع «معكم 24»، ثلاثة ملفات تضع نزاهة الاستحقاق الانتخابي على المحك: تأثير المال والخروقات في حرية الاختيار، ودلالات تراجع المشاركة السياسية، ومدى قدرة القوانين الحالية على مواجهة أشكال الفساد الانتخابي التقليدية والرقمية.
1. انتخابات 2026.. هل أفرزت صناديق الاقتراع إرادة شعبية حرة، أم أن المال الانتخابي والخروقات أثرا في نزاهة المنافسة؟
عند تفكيك المشهد الانتخابي لاقتراع 2026، يتضح بجلاء أن صناديق الاقتراع لم تعكس الإرادة الشعبية بالقدر المأمول، بل تأثرت بشكل بالغ بنفوذ المال والخروقات الميدانية المتعددة؛ إذ شكّل الاستعمال غير المشروع للأموال واستغلال المساعدات والمنافع العينية النقطة الأكثر إفسادا للمنافسة ومبدأ تكافؤ الفرص، مما أسفر عن تبخيس حقيقي للإرادة الحرة للناخبين. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعززت هذه الممارسات ببروز سماسرة تحركوا في محيط العديد من مراكز التصويت لتوجيه الأصوات وممارسة الحشد غير القانوني، بموازاة محاولات لتوظيف الإمكانيات والخدمات العامة لأغراض الدعاية الانتخابية، واستغلال الهشاشة الاجتماعية للنساء والأطفال في المناطق القروية والهامشية واستدراجهم للمسيرات الدعائية. وتوجت هذه التجاوزات بوقائع خطيرة مست بسلامة أوراق الاقتراع وسير العملية ذاتها، تجلت بوضوح فيما شهده مكتبا تصويت بمدرسة القدس بطنجة من محاولات تزوير قادت إلى تدخل لجان تفتيش ومباشرة النيابة العامة لإجراءات الاعتقال والمتابعة القضائية، فضلا عن امتناع بعض رؤساء المكاتب عن تسليم نسخ المحاضر لممثلي اللوائح، كما جرى بالفحص أنجرة. وأمام هذا التشابك في الخروقات، بات الحياد المؤسسي محط تساؤل ميداني ومس جوهر المنافسة العادلة، ليصبح التعبير عن الإرادة الشعبية خاضعا لضغوط الإفساد المالي والانتهاكات المسجلة على أرض الواقع.
2. مشاركة لم تتجاوز 38.02%.. هل نحن أمام أزمة ثقة عميقة بين المواطن والأحزاب السياسية، أم أن العزوف يخفي أشكالا أخرى من الاحتجاج؟
القراءة المتأنية لمؤشرات السلوك الانتخابي في اقتراع 2026 تؤكد أن المشهد يجمع بين أزمة الثقة المتجذرة والتعبير الاحتجاجي الواعي في آن واحد؛ إذ يعكس تراجع نسبة المشاركة العامة إلى 38.02% فقط (بنحو 6 ملايين مصوت من أصل 15.8 مليون مسجل)، وانخفاضها الحاد بنحو 12.33 نقطة مئوية مقارنة بانتخابات 2021، اتساعا صريحا للهوة بين المواطن ومنظومة الوساطة الحزبية، لا سيما في الحواضر الكبرى. ويتجلى هذا التباعد بشكل أعمق من خلال اختلال سوسيولوجي مقلق في الهرم الناخب، حيث اقتصر تسجيل الفئة الشابة (بين 18 و24 سنة) على 4% فقط من مجموع المسجلين مقابل 29% لمن تجاوزوا الستين عاما، وهو ما يبرز بوضوح حالة الإحباط والفتور التي تسود أوساط الأجيال الصاعدة وتآكل قدرة الهيئات السياسية والمدنية على تأطيرها واستقطابها. علاوة على ذلك، لم يتوقف العزوف عند حدود مقاطعة مكاتب الاقتراع، بل امتد ليتخذ شكلا من أشكال الاحتجاج السلبي المباشر من داخل الصناديق عبر تسجيل نسب لافتة من الأصوات الملغاة والبيضاء، بلغت في بعض الدوائر (كالعيون باللائحة الجهوية) 12.4%، كرسالة رفض واعية وعدم ثقة في العروض السياسية المطروحة؛ الأمر الذي يبرهن على أن تراجع الإقبال ليس مجرد لامبالاة عابرة، بل هو تعبير مزدوج عن أزمة ثقة هيكلية في الفاعلين الحزبيين وتجسيد لاحتجاج واع مارسه المواطنون إما عبر الامتناع عن التوجه للصناديق أو بإبطال أصواتهم داخلها.
3. من شراء الأصوات إلى التزييف الرقمي وخرق سرية التصويت.. هل تكفي القوانين الحالية لحماية نزاهة الانتخابات، أم أصبح الإصلاح التشريعي والمؤسساتي ضرورة ملحّة؟
أظهرت معطيات استحقاق 2026 بشكل قاطع أن القوانين الحالية لم تعد كافية لوحدها لتحصين نزاهة العملية الانتخابية أمام الأنماط المستجدة للفساد والتجاوزات، مما يجعل من الإصلاح التشريعي والمؤسساتي ضرورة ملحة وغير قابلة للتأجيل؛ فبالرغم من المكاسب التخليقية التي حملها القانون التنظيمي رقم 53.25 في توسيع موانع الأهلية ومحاصرة نفوذ المال الفاسد وإقرار آليات تحفيزية لتمثيلية النساء والشباب، إلا أن هذه النصوص اصطدمت بسطوة الماكينات الحزبية التقليدية، وهو ما تجسد في عجز الإجراءات عن إحداث اختراق حقيقي بعدما اقتصرت الترشيحات المستقلة للشباب على لائحتين فقط وطنيا، وظلت نسبة النساء على رأس اللوائح المحلية في حدود 7.5% فقط، إلى جانب استمرار تهميش وإقصاء الأشخاص في وضعية إعاقة. علاوة على ذلك، كشفت المحطة الانتخابية عن قصور تشريعي صريح أمام تهديدات الفضاء الرقمي، حيث برزت ممارسات التزييف العميق والمضامين المضللة بالذكاء الاصطناعي والحسابات الوهمية، فضلا عن فوضى الإعلانات والتمويل الموجه عبر منصات التواصل (فيسبوك وتيك توك) التي عمقت الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، وتزامنت مع انتهاك مباشر لسرية التصويت من خلال تسريب صور بطاقات الاقتراع بالهواتف من داخل المعازل لإثبات التزامات مالية مشبوهة لشراء الأصوات. وأمام هذا العجز العملي عن ضبط الممارسات المخلة، بات لزاما تدشين مراجعة تشريعية ومؤسساتية شاملة تشمل فرض رقابة محاسباتية صارمة على التدفقات المالية للمرشحين، وسن إطار قانوني خاص لتقنين الحملات الرقمية ومكافحة التضليل الاصطناعي، وحظر إدخال الهواتف المحمولة إلى المعازل لحماية سرية الصوت وحرية الاختيار، بموازاة تطوير القانون رقم 30.11 لضمان استقلالية الملاحظين وحمايتهم من التضييق وتمكينهم وجوبا من تتبع الفرز، وفتح حوار عمومي جاد يراجع آليات التمثيلية لإشراك الشباب والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة بشكل فعلي ومنصف بدلا من الاقتصار على إجراءات استرضائية محدودة الأثر.