مجلس جهة سوس ماسة.. من يحرك الخيوط من خلف الستار؟ دورة معلقة واتفاقية بـ200 مليون تضع الأغلبية تحت المجهر
متابعة: رضوان الصاوي
لم تعد أزمة النصاب القانوني داخل مجلس جهة سوس ماسة مجرد خلاف عابر حول الحضور والغياب، بعدما كشفت جلسة 5 أكتوبر 2026 عن حجم التوتر الذي يخترق الأغلبية المسيرة للمجلس، في ظل حضور 18 عضوا فقط من أصل 57، ما حال دون انعقاد الدورة في ظروفها القانونية. وبينما تتحدث معطيات متداولة داخل محيط المجلس عن تحركات سياسية سبقت الجلسة بهدف التأثير على اكتمال النصاب، تبرز تساؤلات متزايدة حول خلفيات المقاطعة، والجهات التي تقف وراءها، وما إذا كانت مرتبطة بخلافات أعمق حول طريقة تدبير عدد من الملفات والاتفاقيات.
وتشير روايات متداولة إلى وجود ثلاثة منتخبين، من بينهم نائبان للرئيس، ضمن دائرة التحركات التي سبقت جلسة 5 أكتوبر، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية حول طبيعة التنسيق داخل الأغلبية وأهدافه. غير أن هذه المعطيات تظل، في غياب وثائق أو تصريحات رسمية، مجرد روايات تحتاج إلى التحقق، خصوصا أن تحديد المسؤوليات في تعطيل مؤسسة منتخبة لا يمكن أن يستند إلى التسريبات أو الانطباعات السياسية.
وتزداد حساسية الملف مع تداول معطيات بشأن اتفاقيات مالية تتراوح قيمتها بين مليوني وثلاثة ملايين درهم، قيل إنها أصبحت موضوع خلاف بين منتخبين داخل الأغلبية. ومن بين المعطيات التي تحتاج إلى تدقيق ما يتعلق باتفاقية أو مشروع قيل إن له صلة بقريبة أحد نواب الرئيس، واستفاد، وفق ما يتم تداوله، من دعم يقارب 200 مليون سنتيم. وهي معطيات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة قبل الاطلاع على الاتفاقية المعنية، ومحاضر المداولات والتصويت، والوثائق المالية المرتبطة بها، فضلا عن الاستماع إلى توضيحات المسؤولين والجهات المستفيدة.
وفي السياق نفسه، تتداول أوساط سياسية رواية عن تجميع نحو 20 منتخبا جهويا داخل أحد فنادق مدينة تارودانت قبيل جلسة النصاب، في إطار تحرك سياسي يراد منه، حسب هذه الروايات، ضمان عدم التحاق عدد منهم بالدورة. ووصلت بعض الروايات إلى استعمال عبارة “احتجاز المنتخبين”، وهي عبارة بالغة الخطورة لا يمكن اعتمادها صحافيا كواقعة ثابتة ما لم تسندها شهادات مباشرة أو معطيات موثوقة أو أدلة قابلة للتحقق.
وإذا ثبت وجود لقاء من هذا النوع، فإن الأسئلة التي تستحق الإجابة تهم طبيعة الاجتماع والجهة التي دعت إليه، وعدد المشاركين فيه، وما إذا كان الأمر يتعلق بمجرد تنسيق سياسي بين منتخبين، أم أن الأمر تجاوز ذلك إلى ممارسة ضغوط على بعض الأعضاء. فالفرق بين التنسيق السياسي المشروع وبين التأثير غير المشروع على حرية المنتخبين في أداء مهامهم كبير، ولا يمكن حسمه إلا بناء على معطيات دقيقة ومستقلة.
في المقابل، وجد مجلس جهة سوس ماسة نفسه أمام وضعية تعطل مناقشة عدد من الملفات التي يفترض أن تكون في صلب العمل الجهوي، بما فيها قضايا مرتبطة بالتنمية والتهيئة الحضرية بمدينة تارودانت. وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول حدود الخلاف السياسي داخل المجالس المنتخبة، ومدى تأثير صراعات الأغلبية على السير العادي للمؤسسات وعلى مصالح المواطنين.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يتعلق الأمر بخلاف سياسي داخلي حول طريقة تدبير المجلس، أم أن وراء أزمة النصاب صراعا أوسع حول النفوذ والاتفاقيات وتوزيع الدعم العمومي؟ وإذا كان بعض المنتخبين يعترضون فعلا على اتفاقيات أو مشاريع معينة، فإن الطريق الطبيعي هو تقديم مبرراتهم بشكل واضح للرأي العام، وطرح الوثائق والمعطيات التي تستند إليها اعتراضاتهم، بدل ترك المجال مفتوحا أمام روايات متضاربة يصعب التحقق منها.
وفي جميع الأحوال، فإن تجاوز هذه الأزمة لا يحتاج إلى مزيد من التسريبات بقدر ما يحتاج إلى الشفافية. فالكشف عن الاتفاقيات المعنية، ومحاضر المداولات والتصويت، والجهات المستفيدة، ومعايير اختيار المشاريع، ومسار إعدادها والمصادقة عليها، من شأنه أن يضع النقاش في إطاره المؤسساتي الصحيح، ويحدد ما إذا كانت المعطيات المتداولة تستند إلى وقائع أم أنها مجرد جزء من صراع سياسي داخل الأغلبية.
كما أن أي معطيات تتعلق بما جرى في فندق تارودانت ينبغي أن تخضع بدورها للتحقق، عبر شهادات المشاركين والمعنيين، وأي وثائق أو قرائن يمكن أن توضح طبيعة اللقاء والظروف التي أحاطت به.
وفي انتظار ذلك، يبقى السؤال معلقا فوق مجلس جهة سوس ماسة: هل كانت أزمة جلسة 5 أكتوبر مجرد تعبير عن خلاف سياسي داخل الأغلبية، أم أنها انعكاس لصراع أعمق حول تدبير المال العمومي وموازين النفوذ؟ المؤكد أن الجهوية المتقدمة تقتضي مؤسسات قوية وشفافة، وأن المال العمومي يستوجب أعلى درجات الوضوح، وأن الخلافات السياسية، مهما بلغت حدتها، لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لتعطيل مؤسسة منتخبة يفترض أن تظل مصالح المواطنين والتنمية الجهوية في صلب عملها.