جدار الصمت.. معارك منسية لنساء يواجهن عبء “الغياب والإهمال” بمفردهن
بقلم : ملاك العرابي
تواجه المرأة في مجتمعنا معارك صامتة لا يراها الكثيرون، حيث يتحول غياب الرجل —سواء كان غياباً جغرافياً بداعي السفر، أو غياباً قانونياً بعد الطلاق، أو حتى غياباً وجدانياً بداعي الإهمال وهو تحت سقف واحد— إلى حمل ثقيل يُلقى بأكمله على عاتق امرأة واحدة، تُطالب بأن تبقى قوية وصامدة أمام الجميع.
إن هذا الغياب لا يعني مجرد فراغ في مقعد الأسرة، بل يترجم فوراً إلى ضغوط نفسية واجتماعية متراكمة تنحت في سلام المرأة الداخلي. تعيش هؤلاء النساء صراعاً يومياً بين احتياجهن للدعم وكتمانهن للألم، حيث يضطررن لتقديم تضحيات غير مرئية ومواجهة نظرات المجتمع وأسئلته الفضولية التي لا ترحم، مما يولد ضغطاً نفسياً مزمناً وفواتير عاطفية مؤجلة، يغطينها بابتسامة مفروضة أمام الناس.هذا العبء لا يتوقف عند حدود الزوجة المغترب عنها، بل يمتد ليشمل فئات أخرى تعيش المعاناة ذاتها بمرارة أكبر؛ فالمرأة المطلقة تخوض حرباً شرسة لإثبات ذاتها وحماية أطفالها في بيئة تكثر فيها الأحكام الجاهزة. والأقسى من ذلك، هي تلك المرأة التي يعيش زوجها معها في البيت نفسه، لكنها تعاني من إهمال تام يفرغ الزواج من معناه، لتجد نفسها تعيش حالة “طلاق عاطفي” حاد، تفتقد فيه الأمان والسند وتتحمل مسؤولية كل شيء، حتى تشعر وكأنها غير متزوجة ومتروكة لمصيرها في عزلة خانقة.
وينعكس هذا التحدي المركب بشكل مباشر على الأبناء؛ فالمرأة في كل هذه الحالات تُجبر على لعب دور “الأم والأب” معاً. وفي محاولتها المستميتة لتعويض غياب الأب أو إهماله، تبذل طاقة مضاعفة لتبث الأمان في نفوس صغارها، رغماً عن انكسارها الداخلي. هذا الضغط قد يجعل الأبناء ينشأون في بيئة يشوبها القلق من فقدان الاستقرار، أو يتأثرون بملامح الإجهاد التي تحاول الأم إخفاءها، مما يجعلهم شركاء غير مباشرين في تحمل ضريبة هذا الغياب.
إن البطولة الحقيقية في هذه القصص الإنسانية لا تصنعها الشعارات، بل تصنعها خطوات نساء يواصلن التربية والبناء رغم الشرخ النفسي الصامت، مما يستوجب من المجتمع الكف عن إطلاق الأحكام المتسرعة، وتقديم الدعم والتقدير لمعارك تُخاض خلف الأبواب المغلقة وتترك آثاراً عميقة في النفوس.