الغازوال بين تقلبات السوق وقرار التحرير.. الحسين اليماني يفتح من جديد ملف «سامير» ومسؤولية الحكومات
هيام بحراوي
في خضم الجدل المتواصل حول أسعار المحروقات بالمغرب، عاد ملف تحرير أسعار الغازوال والبنزين إلى واجهة النقاش، وسط سجال حول مدى ارتباط الأسعار المحلية بتطورات أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية، وحول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء استمرار ارتفاع أسعار المحروقات رغم تراجع أسعار البرميل في بعض الفترات.
وفي هذا السياق، وجّه الحسين اليماني، رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، توضيحات رداً على ما ورد في تصريح تلفزيوني مغربي، اعتبر فيه أن الربط المباشر بين انخفاض سعر النفط الخام وبين ضرورة انخفاض أسعار الغازوال في السوق المغربية يحتاج إلى تدقيق، مؤكداً أن سوق النفط الخام لا يتحرك بالضرورة وفق المسار نفسه الذي تعرفه سوق المنتجات النفطية المكررة.
الخام شيء.. والغازوال شيء آخر
يرى اليماني أن انخفاض أسعار النفط الخام لا يعني بالضرورة انخفاضاً فورياً وموازياً في أسعار المواد النفطية الصافية، وفي مقدمتها الغازوال، موضحاً أن السوق الدولية للمنتجات المكررة تخضع بدورها لمعادلات العرض والطلب والطاقة التكريرية المتاحة.
ويربط اليماني ارتفاع أسعار المواد المكررة، في جانب منه، بما يعتبره تراجعاً في القدرات التكريرية العالمية، نتيجة الأضرار التي لحقت بعدد من المصافي بسبب الحروب، مستحضراً في هذا السياق الحرب الروسية الأوكرانية وحروب منطقة الخليج العربي.
ومن هنا يعيد اليماني التأكيد على مطلب طالما ارتبط به ملف المحروقات في المغرب، والمتمثل في إحياء مصفاة «سامير» بالمحمدية واستعادة نشاط تكرير البترول داخل المملكة، باعتبار أن امتلاك قدرة تكريرية محلية، وفق تصوره، يمكن أن يمنح المغرب هامشاً أكبر للاستفادة من القيمة المضافة المرتبطة بالتكرير، بدل الاقتصار على استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.
تحرير الأسعار.. القرار الذي أعاد تشكيل سوق المحروقات
غير أن جوهر موقف اليماني لا يقف عند حدود تفسير تحركات السوق الدولية، بل ينتقل إلى تحميل المسؤولية السياسية لقرار تحرير أسعار المحروقات.
فبحسب اليماني، فإن السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب يرتبط بقرار تحرير الأسعار الذي اتخذته حكومة العدالة والتنمية، بالتزامن مع توقف تكرير البترول بمصفاة المحمدية التابعة لشركة «سامير».
ويعتبر اليماني أن الجمع بين تحرير الأسعار وغياب التكرير المحلي أفرز وضعية جعلت السوق المغربية أكثر ارتباطاً بأسعار المنتجات النفطية في الأسواق الخارجية، في وقت فقد فيه المغرب، وفق هذا الطرح، إحدى أهم أدوات التحكم في سلسلة التزويد بالطاقة.
وبذلك، يتحول النقاش من مجرد سؤال حول سعر البرميل إلى سؤال أكبر يتعلق ببنية السوق المغربية وآليات تحديد الأسعار ومدى قدرة الدولة على التدخل لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
بين الضرائب والتكرير.. وصفة اليماني لخفض الأسعار
ويرى رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول أن عودة أسعار المحروقات إلى مستويات أكثر انسجاماً مع القدرة الشرائية للمغاربة، والحد من انعكاساتها التضخمية، تستوجب، بحسب موقفه، مراجعة جذرية للسياسة المعتمدة.
ويحدد اليماني جملة من المداخل التي يعتبرها ضرورية، من بينها إلغاء قرار تحرير الأسعار وتنظيم سوق المحروقات، وتخفيض نسبة الضرائب المفروضة على المنتجات النفطية، وإحياء نشاط تكرير البترول بالمغرب، فضلاً عن مراجعة القوانين المنظمة للقطاع الطاقي وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالمخزونات البترولية.
ويضع هذا التصور قضية «سامير» في قلب النقاش من جديد، ليس فقط باعتبارها قضية مرتبطة بمصفاة متوقفة، وإنما باعتبارها، وفق أنصار إعادة تشغيلها، جزءاً من مسألة الأمن الطاقي الوطني.
من الدفاع عن القرار إلى المطالبة بالنقد الذاتي
وفي لهجة سياسية مباشرة، يدعو اليماني المتحدث الذي رد عليه إلى التحلي بما وصفه بـ”الشجاعة السياسية”، وعدم محاولة التملص من المسؤولية، بل تقديم نقد ذاتي والاعتراف بما يعتبره خطأ جسيماً تمثل في تحرير أسعار الغازوال والبنزين.
ويستند اليماني في انتقاده إلى اعتقاده بأن قرار التحرير اتُّخذ في سياق كان يفترض، بحسب رؤيته، الانتباه إلى طبيعة السوق المغربية وتركيبتها، خصوصاً مع محدودية عدد الشركات المتحكمة في سوق المحروقات.
وفي هذا الصدد، يشير إلى وجود خمس شركات رئيسية تتحكم في السوق، مستحضراً من بينها الشركة التي يرأسها رئيس الحكومة الحالي، والذي كان وزيراً للفلاحة في حكومات العدالة والتنمية، معتبراً أن هذا المعطى يطرح، من وجهة نظره، أسئلة سياسية حول المسؤولية وتداخل المصالح والخيارات الحكومية التي رافقت مرحلة تحرير الأسعار.
«سامير» تعود إلى واجهة النقاش
وبينما يتجدد النقاش كلما ارتفعت أسعار الغازوال والبنزين، تبدو قضية مصفاة المحمدية حاضرة بقوة في خلفية السجال.
فأنصار إعادة تشغيل «سامير» يرون أن المغرب لا ينبغي أن يظل رهين استيراد المنتجات النفطية المكررة، وأن امتلاك قدرة محلية على التكرير يمكن أن يشكل إحدى أدوات تعزيز الأمن الطاقي وتقليص بعض المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية.
أما ملف تحرير الأسعار، فيبقى بدوره من أكثر القرارات الاقتصادية إثارة للنقاش، بالنظر إلى تأثير المحروقات المباشر على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وبالتالي على أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات.
من يتحمل كلفة الاختيار؟
يتجاوز الجدل حول الغازوال في نهاية المطاف مسألة سعر البرميل صعوداً أو نزولاً، ليصل إلى سؤال يتعلق بالخيارات الاقتصادية للدولة: هل يكفي الاعتماد على السوق الدولية، أم أن امتلاك أدوات وطنية للتكرير والتخزين وتنظيم الأسعار أصبح ضرورة لحماية الاقتصاد والقدرة الشرائية؟
ذلك أن المحروقات لا تُقاس فقط بسعرها في محطات الوقود، بل تمتد آثارها إلى كلفة النقل والإنتاج وأسعار المواد الاستهلاكية، ما يجعل أي ارتفاع مستمراً فيها عاملاً ضاغطاً على الأسر والمقاولات معاً.
ومن هذا المنطلق، يعيد الحسين اليماني طرح معادلة واضحة: تنظيم الأسعار، مراجعة الضرائب، إعادة تشغيل التكرير، وضبط سوق المحروقات، باعتبارها، وفق تصوره، مداخل أساسية لإعادة التوازن إلى السوق.
وبينما يستمر الجدل حول مسؤولية الحكومات السابقة والحالية، يبقى ملف «سامير» وتحرير أسعار المحروقات أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في المغرب، لأنه يجمع بين الأمن الطاقي، والقدرة الشرائية، والمنافسة، والضرائب، والاختيارات السياسية والاقتصادية للدولة.