4"][/video]

جرح الأندلس وحضن المغرب

بقلم: محمد.خياري

كان الرحيل من الأندلس اقتلاع من الروح، وانتزاع للإنسان من تربته الأولى، من رائحة بيته، من ظل شجرته، من ماء نافورته، ومن أسماء الأزقة التي كانت تحفظ وقع خطواته كما تحفظ الأم صوت ابنها.
هناك، في الأندلس، كانت البيوت تعرف ساكنيها.
كانت الجدران تحفظ أسرار العائلات، وكانت الأفنية تمتلئ بصوت الماء، وكانت النوافذ تفتح على ضوء ناعم يشبه الدعاء. في غرناطة وقرطبة وإشبيلية، لم تكن الحياة مجرد أيام تمضي، بل كانت حضارة تسكن القلب، وطمأنينة تنبت بين الحجر والورد، وموسيقى خفية تعبر من المآذن والكنائس والبيوت إلى أعماق الإنسان.
ثم جاء زمن قاسٍ، زمن لا يسأل الشجر عن جذوره، ولا الإنسان عن دموعه.
جاءت محاكم التفتيش كريح سوداء تمر على الذاكرة، تقتلع الأسماء، وتطارد الطمأنينة، وتدفع الناس إلى حافة البحر. فخرجت عائلات أندلسية كثيرة، مسلمة ويهودية وغيرهم من أبناء تلك الأرض، لا تحمل معها إلا ما خفّ من المتاع، وما ثقل من الحنين.
حملوا مفاتيح بيوت لن تُفتح، وأسماء شوارع لن تُزار، وصور حدائق بقيت معلقة في القلب كآية من نور.
كانوا يمشون كأنهم يودّعون أنفسهم.
كل خطوة كانت صلاة صامتة.
كل التفاتة إلى الوراء كانت طعنة جديدة.
وكل موجة في البحر كانت تسألهم:
أإلى نجاة تمضون، أم إلى منفى آخر؟
لم يبكوا الأندلس لأنها أرض فقط.
بكوها لأنها كانت معنى.
كانت ماءً يجري في الرخام، وعودًا يرتجف تحت أصابع الحنين، ومخطوطة مفتوحة على العلم والجمال، وبيتًا كبيرًا للذاكرة. كانت وطنًا يرى فيه الإنسان صورته في الحضارة، فإذا به يجد نفسه فجأة غريبًا، مطاردًا، واقفًا على حافة السفن، يضع قلبه في كفّ، ومفتاح داره في الكف الأخرى.
وحين وصلوا إلى المغرب، لم يصلوا كاملين.
وصلت أجسادهم، أما نصف أرواحهم فبقي هناك، عند نافورة مهجورة، تحت قبة قديمة، في ظل برتقالة كانت تعرفهم. استقروا في فاس، وسلا، وتطوان، وطنجة، ومدن الشمال، لكن الأندلس ظلت تسكنهم كما يسكن الجرح الجسد. بنوا بيوتًا جديدة، لكنهم ظلوا يفتحون نوافذها على جهة الغياب.
في فاس، صار الحنين علمًا من علوم القلب.
وفي سلا، صار البحر مرآة للوجوه الراحلة.
وفي تطوان، بقيت الأندلس تمشي في الأزقة بثوب أبيض، تتكلم من خلال الزليج، وتتنفس في نغمات الطرب، وتبكي بصمت في عيون العجائز.
وفي طنجة، حيث يلتقي البحر بالبحر، وقف المنفيون ينظرون إلى الأفق كأنهم ينتظرون أن تعود سفينة من الماضي.
كانت محاكم التفتيش أكثر من حدث في كتب التاريخ.
كانت ندبة في الذاكرة، وجرحًا غائرًا عمره قرون.
كانت يدًا باردة امتدت إلى الديار واللغة والطمأنينة.
كانت صرخة مكتومة في حلق أجيال طويلة. وما زال صداها يتردد كلما نُطق اسم الأندلس، كأن الكلمة نفسها إذا لمسناها سال منها عطر ودمع.
يا أندلس، أيتها الفردوس المفقودة،
لم تسقطي من الخرائط وحدها، بل سقطتِ في القلب، فصار القلب يحمل خرابك وجمالك معًا.
لم تكوني ماضيًا مات، بل جرحًا حيًا، وحنينًا يتجدد مع كل موشح، وكل زليج، وكل حكاية ترويها جدة لحفيدها في ليلة طويلة من ليالي الشمال.
وأراهم اليوم بيننا، لا كغرباء، بل كأبناء ذاكرة بعيدة عادت فوجدت حضنها.
أراهم في بعض الوجوه، في صفاء الملامح، في بياض البشرة، في زرقة العين، في رقة السلوك، في حسن المعاملة، وفي ذلك الأدب الهادئ الذي يشبه ماء الأندلس حين كان يعبر صحن الدار. كأن الأندلس لم تغب تمامًا، بل تركت شيئًا من ضوئها في الوجوه، وشيئًا من تهذيبها في الطباع، وشيئًا من موسيقاها في الكلام.
يتجولون بيننا في الأسواق والأزقة والبيوت، كما يتجول القادمون من المشرق حاملين عبق اللغة والدين والحكاية، وكما يتجول القادمون من البلدان الإفريقية حاملين دفء الجنوب، وإيقاع الأرض، وعمق الجذور.
كلهم جاءوا من طرق مختلفة، لكن المغرب جعل الطريق واحدًا.
كلهم حملوا ذاكرة، لكن المغرب علّم الذاكرات أن تتجاور دون أن تتقاتل، وأن تنصهر دون أن تفقد جمالها.
فالمغرب لا يسأل أبناءه دائمًا: من أين جئتم؟
بل يسألهم: ماذا أضفتم إلى القلب؟
هذا أندلسي يحمل مفتاح دار مفقودة، وذاك مشرقي يحمل صدى قافلة قديمة، وآخر إفريقي يحمل شمسًا عميقة في دمه، ثم يلتقون جميعًا تحت سقف واحد، في بوثقة واحدة، اسمها المغرب.
المغرب ليس لونًا واحدًا، ولا نغمة واحدة، ولا أصلًا واحدًا.
إنه فسيفساء من الأرواح.
إذا تباعدت حجارتها ضاع الجمال، وإذا اجتمعت أضاءت.
فيه ينصهر القادم من الأندلس مع القادم من المشرق، ومع القادم من عمق إفريقيا، حتى يصبح الجميع أبناء حكاية واحدة، حكاية وطن يعرف كيف يحفظ الجراح دون أن يورث الكراهية، ويعرف كيف يصون الذاكرة دون أن يغلق أبوابه أمام المستقبل.
لقد مضت القرون، لكن الحنين لا يشيخ.
ما زالت الأندلس تعود في الليل كطيف، تمشي حافية بين الأرواح، تضع يدها على صدور أبنائها وتقول لهم:
أنا لم أرحل… أنتم حملتموني فيكم.
وصار المنفى وطنًا ثانيًا، لا يلغي الوطن الأول، بل يحرسه.
وصار المغرب حضنًا لذاكرة مجروحة، استقبل العابرين من الوجع، وفتح لهم أبواب المدن والقلوب. لكن الإنسان، مهما استقر، يبقى في داخله مكان لا يعوضه مكان.
إنها صلاة المنفي حين لا يجد قبلة إلا قلبه.
إنها الحكاية التي لا تموت، لأنها لم تُكتب بالحبر وحده، بل بالدّمع، وبالاقتلاع، وبوجع الاغتراب، وبذلك الشوق الغامض الذي يجعل الإنسان يحن إلى أرض ربما لم يرها، لكنه يشعر في أعماقه أنها تعرفه، وتناديه، وتذكر اسمه منذ قرون.

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.