أجنحة الفطرة.. حين تُعلِّم الطيورُ مجتمعاتِ البشر فلسفةَ الإخلاص

بقلم : ملاك العرابي

في قلب هذا الكون المتسع، يعيش الإنسان في دوامة مستمرة من الحسابات المعقدة، مستندًا إلى نعمة العقل والوعي التي كرمه الله بها، فشيّد بها الحضارات وبلغ بها آفاقًا واسعة من المعرفة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذا العقل نفسه، بقدر ما يفتح أبواب الإبداع، قد يتحول أحيانًا إلى قيد يكبّل الروح بالشكوك والمصالح الضيقة، فتغدو القيم الإنسانية النبيلة، كالإخلاص والتوكل، عرضة للاهتزاز.

وفي خضم هذا التيه البشري، تبرز الطيور في السماء كمشهد يدعو إلى التأمل العميق؛ كائنات تسير وفق الفطرة التي أودعها الله فيها، فتقدم للإنسان أعظم الدروس الأخلاقية دون أن تنطق بكلمة واحدة.

فالمتأمل في رحلتها اليومية يدرك أن الله سبحانه وتعالى أودع في تلك الأجساد الصغيرة سرًا عظيمًا. فهي تغدو في الصباح ببطون خاوية، لا تملك مخازن للطعام، ولا تضمن رزق الغد، لكنها تنطلق بأجنحة اليقين، وقلب مطمئن لا يعرف الزيف ولا الخداع. إنها تسعى بما فطرها الله عليه، ثم تعود وقد كفاها الله رزقها.

وهذا السعي الفطري الدؤوب، وذلك الانسجام الكامل مع سنن الكون، يجسدان الإخلاص في أسمى صوره؛ إخلاصًا خالصًا، لا تحركه رغبة في ثناء، ولا خوف من جحود، ولا انتظار لمقابل. وهنا يتجلى جانب من عظمة الخلق، حين يضع الله أمام الإنسان العاقل نموذجًا من مخلوقاته، ليذكره بأصل فطرته، ويعلمه أن العقل الحقيقي ليس مجرد وسيلة للتفكير المادي، بل هو نور يهدي الروح إلى الصفاء، ويقودها إلى حسن التوكل والتسليم.

إن هذه الرسائل الربانية التي ترفرف فوق رؤوسنا كل يوم، تضع المجتمعات البشرية أمام مرآة صادقة لمراجعة الذات. فالإخلاص، كما ترويه رحلة الطيور، ليس معادلة معقدة تقوم على حساب المكاسب والخسائر، بل هو صفاء في النية، وصدق في العمل، وثقة فيما عند الله.

وحين ينجح الإنسان في الجمع بين نعمة العقل الواعي ونقاء الفطرة التي تتحرك بها الطيور، فإنه يعيد اكتشاف إنسانيته، ويسير في دروب الحياة بثبات وطمأنينة، تمامًا كتلك الكائنات التي تحلق في الفضاء، متحررة من صغائر الدنيا، محلقة بقلوبها قبل أجنحتها في آفاق التوكل، واليقين، والإخلاص.

 

تعليق 1
  1. أحمد أمخلوفن يقول

    من المفيد لنا كثيرا أن تستخدم عقولنا في هذا الكون الفسيح عله يرشدنا إلى وجهتنا الحقيقية كي نصل في الوقت المحدد ونحن على أتم الإستعداد لنهاية المطاف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.