حين يُستهدف الدفاع باسم الإصلاح: المحامون في مواجهة تشريع يُربك ميزان الدولة
متابعة: رضوان الصاوي
من يملك حق العبث بتوازن العدالة باسم “الإصلاح” ؟ ومن فوّض تمرير تشريع يُعيد ترتيب منظومة الدفاع خارج روح الدستور ومنطق التوافق ؟ أسئلة لم يعد ممكنًا القفز عليها، لأن ما يُطرح اليوم لا يطال مهنة المحاماة فقط، بل يمس جوهر العلاقة بين السلطة والحق، وبين الدولة والتزاماتها الدستورية.
فحين يُقدَّم مشروع قانون يُفترض أن يُحصّن العدالة، فإذا به يضعف أحد أعمدتها، وحين يُدار نقاش مصيري بمنطق السرعة والتقليص بدل الحوار والمسؤولية، نكون أمام خيار سياسي لا اجتهاد تشريعي. خيار يختبر حدود استقلال المؤسسات، ويطرح بحدة سؤال احترام الدستور لا الاكتفاء بتأويله.
المحاماة، التي لم تكن يومًا وظيفة إدارية ولا امتيازًا فئوياً، تُدفع اليوم إلى زاوية الدفاع عن وجودها، في وقت كان الأولى أن تكون شريكًا في الإصلاح لا موضوعًا للإخضاع. وأي إصلاح يُفرغ الدفاع من حصانته، ويُربك ميزان المحاكمة العادلة، لا يمكن تسويقه كتحول إيجابي، بل كمنزلق تشريعي محفوف بالكلفة.
إنها لحظة مساءلة صريحة: هل نريد عدالة متوازنة تحمي الحقوق، أم منظومة تُدار بمنطق القوة ؟ وهل يُبنى الإصلاح بتقليص أدوار الدفاع أم بتقويتها ؟ فالتاريخ لا يرحم، والعدالة لا تستقيم بنصوص تُفرض، بل بثقة تُبنى… أو تُهدم.
وفي كلمة قوية أُلقيت خلال الوقفة الوطنية “الصمود” أمام البرلمان، أكد رئيس جمعية هيئات المحامين أن الإشكال المطروح لا يتعلق بتفاصيل تقنية أو خلافات جزئية، بل بخيارات تشريعية تمس أدوار الدفاع الدستورية، وتُخلّ بتوازن العدالة، وتُفرغ المحاماة من رسالتها الحقوقية والإنسانية.
وشدد رئيس الهيئات المهنية على أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المقتضيات أو الصياغات الشكلية، بل بمدى احترام الدستور، وضمان استقلال المحامي، وحماية حقوق الدفاع، معتبرة أن أي قانون يُفرض خارج مقاربة تشاركية حقيقية، هو تراجع تشريعي لا إصلاح.
ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش مهني عابر، ولا خلافًا تقنيًا حول مواد قانونية قابلة للتجويد، بل اختبار سياسي ودستوري حقيقي لمدى احترام الدولة لروح التوازن داخل منظومة العدالة. فحين يُطرح “الإصلاح” خارج منطق التوافق، ويُدفع به كأمر واقع، يتحول من أداة تطوير إلى أداة هيمنة، ومن مدخل للتحديث إلى بوابة لإعادة ترتيب الأدوار على حساب أحد أعمدة دولة الحق: مهنة الدفاع.
وفي هذا السياق، دخلت هيئات المحامين بالمغرب مرحلة مواجهة مفتوحة مع مشروع قانون اعتبرته تهديدًا مباشرًا لاستقلال المحاماة ومسًّا صريحًا بدورها الدستوري داخل منظومة العدالة، في لحظة وصفها مهنيو القطاع بأنها من أخطر المنعطفات التي عرفتها المهنة منذ عقود.
إلى ذلك، اعتبرت الهيئات أن إضعاف المحاماة ليس شأناً فئوياً، بل قرارًا سياسيًا يمس ثقة المواطنين في العدالة، وينقل القانون من فضاء حماية الحقوق إلى منطق القوة والاختلال، وهو رهان قصير النظر وعالي الكلفة على الاستقرار المؤسساتي.
الوقفة عرفت حضورًا وازنًا لممثلي المجتمع المدني والإعلام، في رسالة واضحة مفادها أن معركة المحاماة اليوم هي معركة مجتمع وخيار دولة، وليست نزاعًا مهنيًا مغلقًا.
وفي ختام موقفها، أعلنت هيئات المحامين تمسكها بخيار النضال المسؤول والمفتوح، دفاعًا عن محاماة حرة، مستقلة، شامخة، ووفية لرسالتها التاريخية، مؤكدة أن الصمت في هذه اللحظة سيكون تخليًا عن الأمانة، وأن الدفاع عن استقلال المهنة هو في العمق دفاع عن العدالة ذاتها.