كتاب “مُخبرون ومُخبرون”.. تاريخ وقصص البوليس السري الإنجليزي بمصر
معكم 24- رويترز
نادرة هي الكتب التي تتناول عالم الأجهزة الأمنية في أي دولة أو حقبة زمنية بالبحث والدراسة والتحليل سواء لحساسية الأمر أو لحرص تلك الأجهزة على إبقاء تفاصيل عملها طي الكتمان.
لكن الباحث والكاتب المصري مصطفى عبيد قرر خوض رحلة شاقة في ترجمة وجمع وتدقيق محتوى شيق عن البوليس السري في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي في النصف الأول من القرن العشرين في كتاب منحه عنوان “مُخبرون ومُخبرون”.
يستهل المؤلف كتابه الصادر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة في 254 صفحة بالقول “الأمن السري مهم، لأن استقراءه ضرورة في كل عصر تتبعا لتعقيدات علاقة الحاكم بالمحكوم، واقتفاء لتحولات البشر وتغيرات أخلاقهم تحت ذرائع إرضاء السلطة أو اتقاء شرورها”.
ويمهد الكتاب لموضوعه الرئيسي بعرض مبسط لبداية النظام الأمني في مصر بشكل مؤسسي منذ الخلافة العباسية، مرورا بعهد محمد علي باشا وخلفائه، وصولا إلى الخديوي إسماعيل، الذي عمل على تحديث وتطوير الأجهزة الأمنية باستقدام ضابط إيطالي يدعى كارلسيمو وضابط آخر يدعى المركيز نيجري وأوكل لهما مهمة إنشاء بوليس حديث في القاهرة والإسكندرية عام 1866.
ثم يقفز المؤلف سريعا إلى القرن العشرين، إذ اختار واقعة تاريخية محددة ليجعلها شرارة الانطلاق الأولى لتأسيس البوليس السري في مصر، قائلا: “تتنوع المصادر والأطروحات المصرية والأجنبية بشأن بدايات تأسيس نظام البوليس السياسي السري بشكله الحديث، وإن كانت تتفق جميعها على لحظة مفصلية مهمة جعلت الفكرة المطروحة منذ سنوات، تستقل قطار التحقق بسرعة واهتمام شديدين. وهذه اللحظة هي اغتيال بطرس باشا غالي، رئيس الوزراء المصري، في 20 فبراير سنة 1910، على يد شاب متطرف وطنيا يُدعى إبراهيم الورداني”.
ويضيف المؤلف “لا شك أن واقعة اغتيال بطرس غالي والتعاطف مع قاتله، تحت ظن أنه نموذج مقاومة للاحتلال البريطاني، سواء في الصحف والمنشورات، أو من خلال الأغاني والأشعار والحكايات التي انتشرت، قد أوضح عدة أمور لكل صاحب رأي أو قرار، أولها: أن هناك غضبا عظيما مكتوما لدى الشباب المصري يوشك أن ينطلق ضد الاحتلال، بل ضد كل العاملين والمتعاونين معه من العناصر المصرية. وثانيها: أن هناك خلايا سرية ومجموعات مشتركة لا يعرف عنها أحد شيئا، يمكن أن تمارس أنشطة مقلقة لأمن الاحتلال ورجاله. وثالثها: أن من الضروري وجود كيان للتنبؤ بالهجمات المستقبلية، سواء ضد الإنجليز أو غيرهم في مصر”.
من هنا، يبدأ الكتاب في إحياء السير الشخصية لكل من تعاقبت على قيادة وإدارة البوليس السري في مصر مع تناولها بالتحليل والدراسة، استنادا إلى وثائق من الأرشيف البريطاني ومقالات صحفية ومصادر مترجمة ومذكرات شخصية، انطلاقا من جورج فليبيدس الذي كان أول شخص يتولى إدارة “المكتب المخصوص للأمن السياسي”، ومن بعده جوزيف وليام مكفرسون، مرورا بألكسندر إنجرام الذي باشر قضية مقتل سردار الجيش البريطاني السير لي ستاك عام 1924، ثم ألكسندر كيون بويد، وصولا إلى سليم زكي الذي كان أول مصري يتقلد المنصب.
ومن اللافت في الكتاب أنه لم يكتف بعرض سير تلك الشخصيات، التي عملت لصالح سلطة الاحتلال في المقام الأول، وتدرجها المهني وملابسات شغلها للمنصب الأخطر أمنيا في مصر عبر تسلسل زمني، بل تطرق إلى أساليب عملها وطرق تفكيرها، والثغرات التي استطاعت من خلالها تجنيد العملاء والوشاة سواء بالإغراء أو الترهيب، والأساليب التي استخدمتها في انتزاع الاعترافات ومعاملة السجناء السياسيين، وهو ما فتح نوافذ كثيرة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين ليس من منظور تاريخي أو سياسي لكن من وجهة نظر رجال الأمن الغربيين.
كما اختار المؤلف أن يسلط الضوء على نموذج لمن تعاونوا مع البوليس السري في عهد الاحتلال الإنجليزي وأفرد له فصلا منفصلا بعنوان “نجيب الهلباوي.. فدائي انقلب خائنا” سرد فيه بشكل مفضل دور الهلباوي “في الإيقاع بأكبر تنظيم فدائي سري في تاريخ الاحتلال”.