أكادير تُشعل نور السينما… وتُحرج صُنّاع “الفراغ الثقافي”: مهرجان الهجرة يعود بقوة في دورته 21

متابعة: رضوان الصاوي

في وقتٍ يتقن فيه البعض صناعة الضجيج الفارغ، وتستسلم فيه مؤسسات أخرى لمنطق الانتظار والجمود، تُصرّ أكادير على أن تكتب اسمها بأضواء الفن السابع، وتعلن—بجرأة غير قابلة للتأويل—أن المدينة قادرة على تنظيم التظاهرات الكبرى، وتقديم نموذج ثقافي يشبه طموحها الحقيقي، لا واقعها المُتعب. المهرجان الدولي للسينما والهجرة لا يعود هذه المرة كحدث موسمي عابر، بل كصفعة ناعمة لكل من لا يزال يختزل الثقافة في “أنشطة مناسباتية” بلا أثر، وكإعلان واضح بأن أكادير ليست مدينة تتفرج… بل تصنع المشهد بنفسها.

انطلقت مساء الاثنين 8 دجنبر 2025 فعاليات الدورة 21 للمهرجان الدولي للسينما والهجرة بأكادير، وسط حضور رسمي تقوده ولاية جهة سوس ماسة برئاسة الوالي سعيد أمزازي، ووفد واسع من رموز الفن والثقافة والسينما من المغرب وخارجه. وبينما يرى البعض أن المدينة تحتاج إلى “معجزات” لاستعادة حيويتها الثقافية، يأتي هذا الحدث السنوي—الذي تنظمه جمعية المبادرة الثقافية—ليقدّم برهاناً عملياً على أن الاستثمار في الفن هو جزء من صناعة المدينة، لا مجرد زينة لها.

اختارت الدورة الجديدة أنغولا ضيف شرف، في خطوة تعبّر عن انفتاح المهرجان على إفريقيا الناهضة سينمائياً. ثمانية أفلام طويلة وثمانية قصيرة تتنافس ضمن العروض الرسمية، تمثل أزيد من عشرين دولة، وتتناول قضايا الهجرة خارج إطار الخطابات الجاهزة، بل من خلال رؤى فنية جريئة تُعرض بعضها لأول مرة داخل أكادير.

وتتولى لجنة تحكيم دولية تقييم الأعمال الروائية، برئاسة الروائي والدبلوماسي المغربي عبد القادر الشاوي، وعضوية أسماء ذات وزن سينمائي وفكري، من الملغاشية مايفا رانايفوجاونا، والمخرج الأنغولي دوم بيدرو، والمغربي حميد باسكيط، وصولاً إلى المخرج والسيناريست البرازيلي سيرجيو تريفو. أما لجنة الأفلام القصيرة فتقودها الأنغولية بوكاس باسكوال، بمشاركة الصحفية أمينة بن الشيخ والصحفي والممثل الحسين الشعبي، ليمنح المهرجان مزيجاً من التنوع الثقافي والخبرة الفنية.

وتكرّم دورة هذه السنة ثلاث شخصيات وازنة تركت بصمتها في مجالات السينما والسياسة والثقافة: الفرنسية السنغالية راما ياد، والبلجيكي المغربي نبيل بن يدر، ثم المغربي فؤاد شالا. وهي اختيارات لا تُجامل أحداً، بقدر ما تؤكد توجه المهرجان نحو تكريس الاعتراف بالكفاءات العابرة للحدود.

ويُقدّم البرنامج عروضا سينمائية موزعة بين قاعات المدينة وفضاء خليج أكادير، إلى جانب ورشات ومناقشات فكرية ولقاءات مهنية. بهذا الأسلوب، لا يكتفي المهرجان بإضاءة شاشة سينما، بل يضيء مدينة كاملة، ويعيد ربط الفن بالشارع والجمهور والفضاءات المفتوحة… ليصبح “حدثاً مدينياً” لا مجرد نشاط ثقافي.

هكذا تعود أكادير إلى قلب الخريطة الثقافية، لا بالتصريحات ولا بالشعارات، بل بحدث دولي يصنع الفرق ويكسر الجمود. هذا المهرجان ليس مجرد موعد سينمائي، بل رسالة واضحة:
حين تتوفر الإرادة ويُحسن الفاعلون التنظيم والتخطيط، تصبح الثقافة رافعة للتنمية لا عبئاً عليها. وفي زمن تغيب فيه الرؤى وتكثر فيه الضوضاء، يظل الفن السابع أحد آخر الأسلحة النظيفة القادرة على كشف الحقيقة… وصناعة الأمل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.