فرنسا تغرق في عدم اليقين بعد حجب الثقة عن الحكومة

 

معكم 24- أ ف ب

 

بعد حجب الثقة عن الحكومة، قدم رئيس الوزراء الفرنسي ميشال بارنييه استقالته للرئيس إيمانويل ماكرون، الذي وجه كلمة للأمة، مساء الخميس، في محاولة لتحديد الوجهة في مرحلة عدم اليقين الذي تزيد أزمة الميزانية من حدته.

وقد تترافق هذه العاصفة السياسية مع أخرى اجتماعية. فمن المدرسين إلى المراقبين الجويين، شهد الخميس تعبئة وإضرابا في صفوف الموظفين الرسميين مع عشرات التجمعات المتوقعة في كل أرجاء البلاد، فيما طلب الطيران المدني من الشركات الجوية خفض برامج رحلاتها.

ووصل ميشال بارنييه، المفوض الأوروبي السابق الذي ينتمي إلى اليمين، إلى قصر الإليزيه في الساعة العاشرة (الساعة التاسعة ت غ)، وخرج بعد ساعة دون أن يدلي بأي تصريح.

وأعلنت الرئاسة أن ماكرون “أخذ علما” باستقالة رئيس الوزراء، الذي سيتولى مع حكومته تسيير الأعمال حتى تسمية خلف له.

وثمة ضرورة لحصول تحرك عاجل، نظرا إلى عمق الأزمة السياسية المستفحلة منذ أن قرر ماكرون حل الجمعية الوطنية في يونيو الماضي بعد الخسارة الكبيرة التي مني بها معسكره في الانتخابات البرلمانية الأوروبية أمام اليمين المتطرف.

وأفضت الانتخابات التشريعية المبكرة إلى جمعية وطنية مشرذمة وموزعة على ثلاث كتل، هي تحالف اليسار ومعسكر ماكرون واليمين المتطرف، دون أن يكون لأي منها الغالبية المطلقة.

وبعد مداولات استمرت خمسين يوما، شكلت حكومة تضم وزراء من اليمين والوسط مطلع سبتمبر.

وبعد ثلاثة أشهر على ذلك سقطت الحكومة بموجب مذكرة لحجب ثقة، هي الأولى من نوعها منذ عام 1962. وهذه أقصر ولاية لحكومة في ظل الجمهورية الفرنسية الثانية التي أعلنت عام 1958.

وطلبت رئيسة الجمعية الوطنية يائبل برون- بيفيه من ماكرون، صباح الخميس، تعيين رئيس جديد للوزراء “بشكل سريع”.

واستقبل رئيس الدولة برون- بيفيه، ومن المقرر أن يستقبل رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه.

كما تناول ماكرون الغداء، الخميس في الإليزيه، مع زعيم حزب “الحركة الديموقراطية” فرنسوا بايرو، الذي يتم تداول اسمه ليحل محل بارنييه، حسبما علمت وكالة “فرانس برس” من مصدر مطلع.

وامتنعت أوساط الرئيس الفرنسي، الذي تراجعت شعبيته إلى أدنى مستوى، عن تقديم أي جدول زمني للخطوات التالية، لكن مقربين منه أشاروا إلى انه ينوي التحرك بسرعة وربما بدءا من مساء الخميس، وأكد أحدهم أن “لا خيار لديه”.

ويبدو الانقسام واضحا بين اليسار والوسط واليمين للاتفاق على حكومة ائتلافية جديدة.

ونبهت زعيمة مجموعة نواب حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي، الخميس، إلى أن حزبها لن يعطي الثقة في الجمعية لأي رئيس للوزراء لا ينتمي إلى تحالف اليسار المعروف باسم “الجبهة الشعبية الجديدة”، الذي يضم الخضر والاشتراكيين والشيوعيين واليسار الراديكالي.

واعتُمدت مذكرة حجب الثقة بتأييد 331 نائبا، فيما كانت تحتاج إلى 289 نائبا فقط لإسقاط الحكومة، مما يجعل الضربة مؤلمة أكثر بالنسبة إلى السلطة.

ولحجب الثقة عن الحكومة صوّت نواب اليسار وحزب التجمّع الوطني اليميني المتطرف وحلفاؤه دعما للمذكرة التي تتناول مسائل الميزانية فيما تعاني فرنسا من مديونية مرتفعة.

وسارع اليسار الراديكالي إلى المطالبة باستقالة رئيس البلاد والدعوة إلى انتخابات “رئاسية مبكرة”.

واعتمدت زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبن، موقفا أكثر اعتدالا مقارنة باليسار الراديكالي، مؤكدة أنها ستفسح المجال أمام رئيس الحكومة المقبل “للعمل على بناء ميزانية مقبولة بالنسبة للجميع وبشكل مشترك”. وقالت: “لا أطالب باستقالة إيمانويل ماكرون”. فيما استبعد ماكرون، الذي انتخب سنة 2017 لولاية أولى وسنة 2022 لولاية ثانية، الاستقالة.

ومع أن سقوط حكومة ميشال بارنييه كان متوقعا، إلا أن الصحافة أعربت، الخميس، عن قلقها من “مرحلة الغموض التي تلوح في الأفق”.

وانقسم الفرنسيون حول هذا الوضع، إذ أيد 53 بالمائة قرار النواب، فيما أعرب 82 بالمائة منهم عن قلقهم من تبعاته، وفق ما أظهره استطلاع للرأي أجراه معهد “تولونا هاريس أنتراكتيف” لحساب “أر تي إل”.

وأعرب مواطنون استطلعت وكالة “فرانس برس” آراءهم في أرجاء البلاد عن قلقهم من “الغموض” و”الحلقة المفرغة” و”الطريق المسدود”.

ويتطلب وضع الميزانية في ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو تشكيل حكومة بأسرع وقت.

ويتوقع ان يبلغ العجز العام 6,1 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي سنة 2024، أي أكثر بكثير من 4,4 بالمائة، التي كانت متوقعة في خريف 2023، فيما سيؤثر عدم اليقين السياسي على كلفة الدين والنمو.

وقالت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني، في مذكرة نشرتها الليلة، إن سقوط الحكومة الفرنسية “يقلص احتمال تعزيز المالية العامة”.

رغم ذلك، ظلت الأسواق هادئة، إذ بعد الافتتاح على انخفاض طفيف (-0,28 بالمائة)، الخميس، ارتفعت بورصة باريس قليلا في منتصف النهار (+0.22 بالمائة). وبعيدا عن الارتفاع، فإن معدل فائدة الاقتراض الفرنسي في الأسواق كان يتجه نحو الانخفاض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.