جريمة قتل بشعة دافعها مصارعة الجن.. لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة!!
نتناول في ركن “من أرشيف الجريمة في المغرب” لهذا الأسبوع، جريمة قتل بشعة ذهبت ضحيتها طالبة جامعية، كانت تتابع دراستها في السنة الثالثة بشعبة الفلسفة بكلية ابن امسيك بالدار البيضاء، على يد دجال بعد أن أخضعها لحصص علاج استعمل فيه كل ما تيسر من صنوف العنف بدعوى تخليصها من الجن المارد الذي يقيم بجسدها، ولم يتركها إلا بعد أن أزهق روحها.
* إعداد: عبد الحفيظ محمد
كانت فاطمة ذات الثلاثة والعشرون ربيعا تنتمي إلى أسرة محافظة تنحدر من مدينة زاكورة حيث تربت وترعرعت في بيئة تتسم بالصرامة والإنصياع.
هذه البيئة ساهمت في ضخ مجموعة من القيم جعلت من فاطمة شابة صبورة ومثابرة وعملية، مما ساعدها على النجاح في مسارها التعليمي، حيث كانت طالبة في السنة الثالثة من شعبة الفلسفة في كلية بن امسيك بالدارالبيضاء.
حلم على مرمى حجر
لم تكن فاطمة امرأة حالمة أو تسعى إلى نيل مطالبها بالتمني، بل كانت جدية وعملية. زد على ذلك، أنها كانت تزعج عالمها من خلال بحثها الدؤوب عن أقوال عسيرة الفهم لمفكرين كبار، من أمثال هيغل وكانط، عندما تنخرط زميلاتها في تبادل القيل والقال وهدر الوقت في الثرثرة والوشوشة لإثارة الرجال. ونادرا ما كانت توجه إليها النظرات، لكنها كانت تتخلص منها بهدوء لأن لا شيء يمكن أن يأسر قلبها ويلجم عقلها.
ورغم كل الصعاب، فإن شعبة الفلسفة، التي اختارتها فاطمة في مسارها التعليمي، كانت تتيح فرص الشغل وذلك لسبب وجيه، وهو أنه حتى مع إلغاء تدريس هذه الشعبة في الكلية في سنوات الثمانينات من طرف بعض المسؤولين الأغبياء “الدلتونيون”، تم الإبقاء على تدريسها كمادة في مستوى البكالوريا لكن من دون إعداد الخلف على مستوى هيئة تدريسها. وقد زادت عملية المغادرة الطوعية الطين بلة لأن الخصاص أصبح حادا مما اضطر الوزارة الوصية على قطاع التعليم، أنذاك، إلى فتح باب التوظيف في سلك التعليم في وجه حملة الشهادات في شعبة الفلسفة. وهذا الإجراء كانت تراه فاطمة بأنه يصب في صالحها لأن أملها تحقق أخيرا، لاسيما وأنها كانت تأمل في أن تدرس يوما الفلسفة للتلاميذ في مستوى الثانوي…
والمعروف عن فاطمة أن تصرفاتها كانت تتسم دائما بالحكمة والعقلانية. ولكنها في أوائل الصيف، أصبحت غريبة الأطوار. حيث تغضب على أثفه الأسباب وفي أحيان كثيرة من دون سبب يذكر، والأدهى من ذلك أنها باتت وعلى نحو غير عادي، تجرؤ على رفع صوتها حتى في وجه والديها. وعندما تسترجع هدوءها فإنها كانت تنطوي على نفسها وتشرع في البكاء.
ساد الإعتقاد في البداية، أن مرد تصرفات فاطمة راجع إلى ضغط جدولة الامتحانات، ولكن مع مرور الأيام، بدأت حالتها تزداد تدهورا حتى وصلت إلى ذروتها حيث تعرضت في أحد ليالي شهر يونيو لنوبة هستيرية وبدأ جسدها يرتعش وبين صراخ حاد وآخر كانت تلقي كلمات غير متناسقة وغير مفهومة. وأمام تطور حالتها إلى الأسوء اضطر شقيقها عبدو إلى نقلها إلى قسم المستعجلات.
مرة هناك، تم حقنها بمادة مهدئة. وفي اليوم التالي، حضر أقاربها للاستفسار عن صحتها وكان من بينهم المسمى محمد، الذي اعتقد من خلال ما سمعه عن حالة فاطمة بأنها مسكونة بجن، وبالتالي فإنه يعرف فقيها يتمتع بقدرة خارقة على طرده وتخليص جسدها منه.
وبعد موافقة أب فاطمة على هذا الاقتراح، أعطي الضوء الأخضر لمحمد للقيام بالمتعين. هذا الأخير لم ينتظر طويلا، إذ ذهب في المساء على عجل إلى مقر إقامة الفقيه أحمد بحي مولاي الرشيد الشعبي.
جن مارد
أي شخص، حينما يرى الفقيه أحمد كرجل أسمر اللون وملتح ويرتدي طاقية وجلباب ويقف أمام كشكه لبيع الأحذية الرياضية الصينية في سوق الحي، قد لن يشك أبدا أن هذا التاجر المتجول يجر وراءه قصة غير مألوفة.
ينحدر الفقيه أحمد، في بداية عقده الرابع، من مدينة زاكورة من أب يشتغل بناء، وأم توفيت بعد فترة وجيزة من ولادته.
كان شابا مواظبا ومتابرا، حيث تابع دراسته حتى نال شهادة البكالوريا قبل أن يلتحق بمدينة أكادير التي حصل في رحاب جامعتها على شهادة الليسانس في شعبة الأدب الفرنسي، ليرحل بعد ذلك إلى مدينة الدار البيضاء للعمل كبناء حيث تمكن من شراء منزل بحي مولاي رشيد، وتزوج ابنت عمه التي رزق منها بخمسة أطفال.. لكن سقوط إحدى بناته طريحة الفراش غير مسار حياته رأسا على عقب.
وأمام تدهور صحة ابنته اضطر الفقيه أحمد إلى عرضها على مجموعة من الأطباء الذين أجمعوا في تشخيصهم لحالتها بأنها تعاني من شلل جزئي على مستوى الفم والذراع ليطوف بصغيرته على العديد من المصحات المتخصصة في الأمراض العصبية، لكن جهوده ذهبت أدراج الرياح حيث بقي حال صغيرته على ما هو عليه.
ولما تملكه اليأس، انتهى به الأمر إلى الاعتقاد بما يكرره عليه الجميع بأن ابنته مسكونة من قبل جن.
إلا أن الفقيه أحمد لم يرفع الراية البيضاء، بل انكب على قراءة التفسيرات حول موضوع الجن، حيث غاص بشراسة في شعاب هذا العالم الغريب، ودرس فن وطريقة صرع الجن، وطبق جميع هذه المعارف التي اكتسبها حول الموضوع على ابنته…
لتكلل محاولاته في نهاية المطاف بالنجاح حيث تماثلت صغيرته للشفاء…
وبعد نجاحه في شفاء فلذة كبده، باتت سمعة الفقيه أحمد على كل لسان، وأصبح الجميع ينادونه بـ”الفقيه أحمد “، وأضحى قبلة للبيضاويين الساعين إلى التبرك منه حيث يتم جلب المصابين بحالات الصرع والهستيريا، والمفلوجون، والمشلولون والمصابون بانفصام حتى بات بيته لا يستوعب أعداد المرضى الذين يحجون لإلتماس بركته.
الشيء الذي دفعه إلى استئجار غرفتين في حي مولاي رشيد حيث بات يقصده كل مساء العديد من الناس سواء لطرد الجن أو تلقين دروس في اللغة الفرنسية.
توزيع البركات
وفي تلك الليلة، ارتدى الفقيه أحمد جلبابه ورافق محمد إلى بيت فاطمة التي وجدها في حالة غير طبيعية. وبمساعدة من شقيقها عبدو، تمكن أحمد من تمديدها على الأرض وقطر جرعة من مادة سائلة في أنفها وأمسك بالمصحف الكريم وبدأ يقرأ فوق رأسها سورا من القرآن الكريم، بينما كان جسمها تخلخله الاضطرابات بشكل متقطع. فحاول بمعية شقيق فاطمة السيطرة عليها حتى الصباح، لكن حالتها لم تتغير وبدأت أزماتها تتكرر وتزداد تفاقما، مما جعل أحمد يستمر في قراءة القران حتى الظهر. ولما استرجعت فاطمة هدوءها في نهاية المطاف عاد الفقيه إلى منزله وهو منهك القوى. وفي حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، استدعته أسرة فاطمة على عجل بسبب تدهور حالة ابنتها.
ومرة هناك، بدأ في قراءة القرآن والنطق بتعويدات ولكن من دون أن يحصد نتائج تذكر حيث ازدادت حالتها سوءا في مشهد امتزج فيه صراخها بغرغرة، وتغيرت نبرات صوتها وعيناها تدوران في جحريهما، وباتت إيماءاتها مفاجئة وغير مرتبطة، وأصبح وجهها مشوها بسبب التوتر.
ولمواجهة حالة فاطمة المستعصية طلب الفقيه من عبدو أن يمده بملقاط.
استغؤب هذا الأخير لطلب الفقيه واعتقد بأنه لم يسمع شيئا. لكن القفيه كان جادا في طلبه حيث كرر طلبه من جديد. وأمام إلحاح الفقيه بتلبية طلبه مده عبدو بما يريد.
وضع الفقيه الإصبع الكبير لقدم فاطمة بين فكي الملقاط ثم ضغط عليه بكل ما أوتي من قوة حتى صرخت من شدة الألم، وكلما ارتقع صراخها كلما زاد في قوة ضغطه حتى تعرض إصبعها المستهدف من قبل الفقيه إلى نزيف، بل تم بثر جزء منه.
وأمام عدم حصول أي تغيير في حالة فاطمة وصل الفقيه أحمد إلى قناعة مفادها أن الجن الذي يسكن فاطمة صعب، وقرر بالتالي إخراج ترسانته القوية حيث نقل فاطمة إلى الغرقتين التي استأجرهما في حي مولاي رشيد.
فقيه لا يستسلم
وبمجرد دخول الفقيه أحمد بمعية مريضته فاطمة وشقيقها في وقت مبكر من المساء إلى “عيادته” الخاصة جدا.
أدخل فاطمة إلى إحدى الغرفتين ومددها على الأرض ووضع سماعتين على كلتا أذنيها وفتح جهاز الراديو كاسيط لينطلق صوت مقرئ يرتل القرآن ترتيلا. لكن فاطمة لم تكن تتحمل كل هذا العنف المسلط عليها من قبل الفقيه أحمد حيث قامت بعدة محاولات للهروب. ولكن الفقيه وشقيقها كانا يمسكانها بقوة. ليقوم الفقيه في نهاية المطاف بتقييد يديها ورجليها بواسطة حبل، ولفها بغطاء ووضعها تحت رحمته على الأرض.
ثم أمسك الفقيه عصا غليظة وبدأ يهوي بها بعنف على باطن قدمي فاطمة، عنف كلما الزداد شدة كلما ارتفع معه صراخ فاطمة. لكن حالتها لم تتغير، وهذا يعني بالنسبة لأحمد وأمثاله أن الجن لا زال يسكن جسد فاطمة ويتشبث بروحها.
كان الفقيه أحمد يرفع عصاه إلى أعلى ويهوى بها بعنف على فدمي فاطمة، عنف شديد لا تعرف مداه سوى من تتعرض له إلى درجة أن العصا كسرت في نهاية المطاف إلى نصفين.
إلا أن الفقيه أحمد وأمام عجزه على كبح جماح الجن المارد، الذي يسكن جسد فاطمة، حسب إعتقاده، عوض الملقاط والعصا بأداة لحام كهربائية.
ولما بدأت هذه الأداة تتوهج، أخذها الفقيه وبدأ يحرق بواسطتها قدمي فاطمة التي كانت تكافح بكل ما أوتيت من قوة للهروب من جحيم هذا الفقيه المارد حيث كانت تصرخ بقوة وتهيج، لكن لا من مستغيث.
ولم يهدأ للفقيه بال حتى تمكن من إزهاق روح فاطمة بدل إخراج الجن الذي كان يعتقد بأنه يسكن جسدها…
للأسف، جمع الفقيه آلته اللاحمة وقال: “إن الجن قد اقتحم صدر فاطمة”، ثم وقف وبدأ في توجيه ركلات برجله اليمنى إلى صدر وبطن فاطمة. وفي الوقت الذي كانت فيه المسكينة تصرخ وتكافح محاولة بغضب اليائس الجلوس على سريرها كان الفقيه يوجه إليها ضربات بقبضة يده بدعوى صرعه للجن المارد الذي اختار العيش داخل جسد فاطمة.
استمر هذا التعذيب الجسدي لساعات، وفي حوالي منتصف الليل دخلت فاطمة في غيبوبة، لكن لم يغادر جسدها أكثر من تأوه طفيف.
أحس الفقيه بجسده ينهار، فذهب لينام معتقدا على ما يبدو بأنه طرد الجن. ولما استيقظ الفقيه أحمد وعبدو وجدا الرجلين فاطمة لا تتحرك فطلبا على عجل سيارة إسعاف، حيث تم نقلها إلى قسم المستعجلات، وبالأحرى نقل جثتها… ليتم توقيف شقيق الضحية والفقيه أحمد…