4"][/video]

قهوة على أنقاض ذكرياتنا

بقلم: كَايدي عبدالله

في مقهى صغير بأحد الأحياء، يجلس صديقان مُسِنّان قرب النافذة. تحيط أيديهما بفنجانَي قهوة لا يزالان دافئين. في الخارج، تضجّ المدينة بالحركة: سيارات تتقدم ببطء، ولافتات مضيئة تلمع، ومارة يعبرون دون أن ينظر بعضهم إلى بعض.

أما أحمد وحسن، فكانا ينظران إلى ما هو أبعد من الشارع. يبحثان، خلف الواجهات الجديدة، عن مدينة شبابهما.

أحمد: قل لي يا حسن… هل تتذكر ماذا كان يوجد هنا، قبل هذا المقهى؟

حسن: هنا بالضبط؟ انتظر… في مثل سنّنا، تأتي الذكريات عندما تشاء. أحياناً تطرق الباب، وبمجرد أن ننهض لنفتح لها، تكون قد رحلت!

أحمد: إذن سأساعدك. كان هناك أطفال… وبساط… ورجل يتحدث بصوت أعلى من أصوات الأطفال جميعاً!

حسن: مدرسة؟

أحمد: تقريباً. مدرسة للحياة. كانت قاعة للرياضات القتالية.

حسن: آه، نعم… انتظر، انتظر… أتذكر الآن بذلات بيضاء صغيرة. هل كانت للجودو؟

أحمد: أظن ذلك… أو ربما للكاراتيه. كما ترى، ذاكرتي ليست أصغر سناً من ذاكرتك!

حسن: لكنني أتذكر المدرب جيداً. كان ينادي كل طفل باسمه، حتى الذين التحقوا للتو.

أحمد: نعم… عند نهاية الحصة، كانوا يخرجون ضاحكين، وحقائبهم على ظهورهم. بعضهم يُري والديه حزامه الجديد بفخر، وآخرون يسرعون ليحكوا عن سقطة، أو انتصار، أو حركة نجحوا أخيراً في أدائها.

حسن: وكان المدرب يبقى واقفاً عند الباب حتى يغادر آخر طفل.

أحمد: هذا صحيح… ما زلت أراه أمام عيني.

يلتفت حسن نحو المطعم المقابل. شرفته الأنيقة تحتل الرصيف، وتعلوها مظلة كبيرة تحمي الزبائن من الشمس.

حسن: وهناك، في الجهة المقابلة؟ هذا المطعم الجميل… هل تعرف ماذا كان مكانه؟

أحمد: لا تخبرني! دعني أفكر… متجر؟ لا… مقهى؟

حسن: قاعة للمصارعة.

أحمد: قاعة المصارعة! نعم، صحيح! وذلك المدرب… ما اسمه؟

حسن: أحاول تذكر اسمه منذ سنوات. كان له شارب وصوت…

أحمد: صوت يُسمع إلى آخر الشارع!

حسن: هذا هو! ومع ذلك، عندما كان أحد الشباب يفقد ثقته بنفسه، كان يعرف كيف يتحدث إليه بهدوء.

أحمد: دخلت تلك القاعة مرة. كان الجو حاراً. نسمع الأجساد تسقط على البِساط ، والأنفاس المتلاحقة، وأصوات التشجيع… ثم ينهض الشباب ويبدؤون من جديد.

حسن: أتذكر شاباً كان يأتي من مكان بعيد ليتدرب. كان يصل غالباً متأخراً، يلهث من التعب. وكان المدرب يحتفظ له دائماً بمكان.

أحمد: غريب… نسيت أسماء كثيرة، لكنني ما زلت أشعر بحرارة تلك القاعة.

يسود الصمت للحظة. يتابع حسن بعينيه سيارة تنزل إلى مِرآب ضخم متعدد الطوابق. يمتد مدخله تحت الأرض، بينما ترتفع فوقه عدة طوابق من الإسمنت تطل على الحي.

حسن: وهذا المرآب… هل تتذكر ماذا كان مكانه؟

أحمد: المرآب؟ ألم يكن هناك موقف للسيارات دائماً؟

حسن: لا. فكر جيداً… كان هناك ماء.

أحمد: ماء؟

حسن: نعم. ماء كثير. وأطفال يصرخون قبل أن يقفزوا…

أحمد: المسبح!

حسن: بالضبط! المسبح البلدي.

أحمد: نعم… في أيام الصيف، كنا نقف في طابور أمام المدخل. وكان صوت رذاذ الماء يُسمع من الشارع.

حسن: وذلك المنقذ… ما اسمه؟

أحمد: انتظر… سعيد؟ لا… سعيد كان حارس الملعب. أما مدرب السباحة فكان… آه! لا أتذكر اسمه.

حسن: وأنا أيضاً. لكنني أتذكر صبره. كان يُسند الأطفال من بطونهم ليعلمهم كيف يطفون. وكان بعضهم يخاف من ترك حافة المسبح.

أحمد: وعندما كانوا ينجحون أخيراً في قطع بضعة أمتار وحدهم، كان آباؤهم يصفقون كأنهم عبروا المحيط!

حسن: اليوم تستريح السيارات في الظل، حيث كان الأطفال يتعلمون السباحة.

أحمد: وأين سيتعلمون الآن؟

حسن: من تملك أسرهم الإمكانات يجدون أحياناً مسبحاً أبعد من هنا. أما الآخرون…

يتوقف عن الكلام، فيما تختفي سيارة داخل المنحدر المؤدي إلى الطابق السفلي.

حسن: أما الآخرون… فلا أدري.

ينظر أحمد إلى مركز تجاري كبير في البعيد. تعكس واجهته الزجاجية أشعة الشمس.

أحمد: وهذا المركز التجاري؟ هناك شيء على طرف لساني…

حسن: بناية كبيرة، ومدرجات، وشباب يأتون من أنحاء المدينة كلها…

أحمد: القاعة المغطاة، متعددة الرياضات؟

حسن: نعم! جئتَ إليها معي لحضور منافسة. كانت السماء تمطر يومها.

أحمد: وانتظرنا في الخارج تحت مظلة واحدة… أتذكر الآن! كانت تُنظَّم فيها تدريبات للشباب، ولقاءات ومنافسات…

حسن: وكانت الأسر تملأ المدرجات. كل واحد يبحث عن ابنه، أو أخيه، أو أخته، أو ابن جاره.

أحمد: أنصت… ما زلت أسمع التصفيق.

حسن: وأنا أيضاً. وأرى المدربين قرب البساط، وهم يعطون تعليماتهم الأخيرة…

أحمد: لقد اقشعر بدني. هل تتذكر تلك الفتاة الصغيرة التي خسرت نزالها الأول؟ كانت تبكي قرب المدرجات، فضمها والدها إلى صدره.

حسن: وفي السنة التالية، عادت وفازت بميدالية.

أحمد: كان والدها يصفق بقوة حتى التفتنا جميعاً نحوه!

يضحك الصديقان. ثم يضيّق أحمد عينيه، كأنه يبحث عن مشهد آخر بين واجهات المحلات.

أحمد: لكن انتظر… لم تكن تلك القاعة مخصصة للرياضات القتالية وحدها، أليس كذلك؟

حسن: طبعاً لا. كانت هناك أيضاً… ما اسم تلك الرياضة التي فيها شبكة وكرة يتبادلها اللاعبون بأيديهم؟

أحمد: الكرة الطائرة!

حسن: نعم، الكرة الطائرة! وكرة السلة أيضاً. كان على فريق أحياناً أن ينتظر يوم الأربعاء حتى ينهي الفريق الآخر حصته ليدخل إلى القاعة.

أحمد: والملاكمة؟ كان هناك نادٍ للملاكمة غير بعيد من هنا.

حسن: نعم… قرب المخبزة.

أحمد: لا، قرب الصيدلية!

حسن: صحيح… أو ربما كان نادي التايكواندو قرب الصيدلية؟

أحمد: ها أنت ترى! سننتهي بنقل جميع أندية المدينة من مكان إلى آخر!

حسن: لا يهم الشارع. ما زلت أتذكر الشباب الذين كانوا يخرجون من تلك الأندية. بعضهم كان يحلم بأن يصبح بطلاً، وآخرون كانوا يأتون فقط ليلتقوا أصدقاءهم، ويتعلموا، ويمارسوا الرياضة.

أحمد: وبالنسبة إلى كثير من الآباء، كان مجرد وجود أبنائهم في قاعة، مع مدرب يعرفهم، مصدر سعادة وطمأنينة.

يأتي النادل ليرفع الأكواب عن طاولة مجاورة. يشير أحمد في هدوء إلى لافتة عند ناصية الشارع.

أحمد: وتلك الحانة الكبيرة، هناك… ألم تكن هي أيضاً قاعة رياضية؟

حسن: نعم. قاعة السي محمد. هل تتذكره؟

أحمد: الرجل الذي كان يصلح البُسُط بنفسه عندما تتمزق؟

حسن: هو نفسه. كان يبحث دائماً عما يسدد به الإيجار، ويشتري المعدات، ويرافق الشباب إلى المنافسات.

أحمد: وكان يستقبل أيضاً أطفالاً لا يستطيعون دفع واجبات الانخراط.

حسن: كان يقول لهم: «تعالوا وتدربوا، وسنجد حلاً». ثم يضيف، حتى لا يشعروا بالحرج: «يمكنكم مساعدتي في ترتيب البُسُط بعد نهاية الحصة».

أحمد: كم من شاب ساعد بهذه الطريقة؟

حسن: لا أدري. لم يكن يتحدث عن ذلك أبداً. كان يعرف ظروفهم، ويحفظ كرامتهم.

أحمد: لماذا أغلق القاعة؟

حسن: كانت المصاريف ترتفع. والمساعدات تتأخر أو لا تصل. وقد تقدم هو أيضاً في السن. صمد ما استطاع.

أحمد: التقيت به بعد الإغلاق. كانت مفاتيح القاعة في جيبه. سألته لماذا لا يزال يحتفظ بها.

حسن: وماذا أجاب؟

أحمد: قال لي: «لا أدري. ربما أحتاج إلى بعض الوقت قبل أن أعيدها».

يصمت الرجلان. ثم يشير حسن بإصبعه إلى قاعة للأفراح في نهاية الشارع. أمام المدخل، كان بعض الأشخاص يضعون الزهور استعداداً لحفل زفاف.

حسن: هل ترى تلك القاعة؟

أحمد: التي نسمع منها الموسيقى حتى منتصف الليل؟

حسن: نعم. كانت ملكاً للسي عبد القادر.

أحمد: السي عبد القادر… الرجل الذي كان يخصص كل وقته للشباب؟

حسن: كل وقته، وجزءاً كبيراً من ماله. كان يعرف الأسر. وعندما ينقطع طفل عن الحضور، كان يذهب للاطمئنان عليه. وأحياناً يتحدث مع والديه ليقنعهما بالسماح له بالعودة.

أحمد: أتذكره. كان يقول إن الشاب الذي يجد مكانه داخل نادٍ، يكون قد كسب شيئاً ثميناً.

حسن: في النهاية، اضطر إلى كراء قاعته لإقامة الحفلات. التقيته ذات مساء أمام الباب. كان المدعوون يدخلون لحضور زفاف. استقبلهم بأدب، ثم توقف نظره عند المكان الذي كان يوجد فيه البساط.

أحمد: ماذا قال؟

حسن: لم يقل الكثير. سألني فقط: «هل تتذكر أصوات الأطفال هنا؟»

أحمد: كان من حقه أن يبحث عن مورد للعيش، بعد كل ما قدمه.

حسن: بالتأكيد. لكنني تساءلت: لماذا اضطر إلى تحمّل مسؤولية ذلك النادي وحده تقريباً، طوال كل تلك السنوات؟

يأتي النادل بفنجانَي قهوة جديدين. يشكره الصديقان. وفي الخارج، تبدأ أضواء المدينة في الاشتعال.

أحمد: قل لي يا حسن… كيف وصلنا إلى هنا؟

حسن: أعتقد أن الأمر حدث ببطء. أُغلقت قاعة، فقلنا: يا للخسارة. ثم أُغلقت أخرى، فقلنا: الوضع صعب. وبعد ذلك كبر الأطفال، وتقدم المدربون في السن، وبقيت الأبواب مغلقة.

أحمد: ومع ذلك، كنا نتحدث كثيراً عن الرياضة.

حسن: نعم. كلما اقتربت المنافسات الكبرى، طالب الجميع بالأبطال والميداليات.

أحمد: وماذا كانت تطلب الأندية؟

حسن: أشياء بسيطة: مكاناً للتدريب، ومعدات، ومدربين مؤهلين، وقليلاً من الاستقرار… وفرصة لاستقبال جميع الأطفال.

أحمد: لكن بعض الناس ناضلوا، رغم كل شيء.

حسن: نعم. مربون ومسيرون وآباء ومتطوعون. كثيرون واصلوا العمل رغم الصعوبات. وبفضلهم أيضاً تمكن شباب من ممارسة الرياضة، واستطاعت بعض الأندية أن تستمر.

أحمد: إذن، ماذا كان ينبغي لنا أن نفعل أكثر؟

حسن: أن نستمع إليهم. أن ندعم الأندية قبل أن تغلق أبوابها. أن نكوّن المدربين ونرافقهم. أن نبني قاعات ومسابح، وأن نحافظ أيضاً على ما كان لدينا منها. وأن نمنح كل طفل مكاناً، حتى عندما تكون إمكانات أسرته محدودة.

أحمد: تتحدث كما لو أننا ما زلنا نستطيع فعل ذلك.

حسن: بالنسبة إلى مسبحنا القديم، فات الأوان. لكن بالنسبة إلى قاعات أخرى، وأحياء أخرى، وأطفال آخرين… فالأمر يتوقف على من سيتخذون القرارات.في الجهة الأخرى من الشارع، تركض فتاة صغيرة خلف أخيها. تلحق به، وتنفجر ضاحكة، ثم تعود للركض في الاتجاه المعاكس.

أحمد: انظر إليهما…

حسن: أراهما.

أحمد: هل تعتقد أنهما سيجدان يوماً مدرباً يناديهما باسميهما؟

حسن: آمل ذلك. لكن الأمل وحده لا يكفي. يجب أن نفتح باب قاعة، وأن نوفر لذلك المدرب الوسائل التي تساعده على إبقائها مفتوحة.

يرفع أحمد فنجانه. وينظر للمرة الأخيرة إلى الشارع، وموقف السيارات، والمطعم، وأضواء المركز التجاري في البعيد.

أحمد: أتعلم يا صديقي… أتمنى لو أن هذا الحوار لن يحدث أبداً.

حسن: إذن، فلنروه لمن لا يزالون في سنة 2026.

أحمد: هل تعتقد أنهم سيسمعوننا؟

حسن: إذا أخذوا الوقت للاستماع إلى الأطفال، والمدربين، والأندية… فلن يحتاجوا إلى انتظارنا.

لم تُكتب سنة 2076 بعد. مستقبل الرياضة المغربية يُصنع اليوم، في كل حي، وكل نادٍ، وكل قاعة، وكل مسبح نختار أن نحافظ على الحياة فيه

4"][/video]
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.