الصحة النفسية في المغرب.. حين تتحول معاناة المرضى إلى أزمة أسرية واجتماعية
هيام بحراوي
«اتقوا الله في الأسر المغربية».. بهذه العبارة اختارت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة أن تدق ناقوس الخطر بشأن واقع الصحة النفسية والعقلية في المغرب، محذرة من أن ضعف العرض الصحي وارتفاع كلفة العلاج وتأخر الإصلاح التشريعي قد يحول المرض النفسي من قضية طبية إلى مأساة اجتماعية وإنسانية تدفع ثمنها الأسر قبل غيرها.
وجاء موقف الشبكة في بيان لها، بعد أيام قليلة من إطلاق وزارة الصحة والحماية الاجتماعية «مخطط الصحة النفسية 2030»، الذي رُصد له غلاف مالي يقارب 4 مليارات درهم، ويتضمن 86 إجراءً وتدبيراً، بهدف توسيع العرض الصحي وتحسين الولوج إلى خدمات الصحة النفسية والوقاية والعلاج وإعادة الإدماج.
لكن السؤال الذي تطرحه الشبكة يتجاوز حجم الميزانية وعدد المشاريع: هل تكفي الاستثمارات والبنيات الجديدة إذا ظل الوصول إلى العلاج النفسي مكلفاً أو صعباً بالنسبة إلى آلاف الأسر؟
وتستند الشبكة إلى معطيات مرتبطة بالمخطط الوطني الجديد، تفيد بأن نحو 6.5 ملايين شخص في المغرب يعانون من اضطرابات نفسية، بينهم حوالي مليوني طفل وشاب، فيما لا يحصل نحو 85 في المائة منهم على الرعاية اللازمة.
وتعكس هذه الأرقام، إذا ما استمرت الفجوة بين الحاجة والعرض الصحي، حجم التحدي الذي تواجهه المنظومة الصحية المغربية، خصوصاً في ظل ارتباط الصحة النفسية بعوامل اجتماعية واقتصادية متعددة، من بينها البطالة والفقر والعنف الأسري والإدمان والهشاشة الاجتماعية.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال ظاهرة الانتحار في عامل واحد، كما لا يصح علمياً تحميل الاضطرابات النفسية وحدها مسؤولية ارتفاعها. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن تقدير معدل الوفيات الناجمة عن الانتحار في المغرب بلغ 3.22 لكل 100 ألف نسمة سنة 2019، مع وجود تقديرات أقدم أعلى من ذلك؛ وهو ما يؤكد ضرورة تحديد السنة والمصدر عند تداول هذه الأرقام.
المشكلة ليست في المستشفى وحده
ترى الشبكة أن الأزمة لا تتعلق فقط بعدد المستشفيات والأسرة، وإنما أيضاً بقدرة النظام الصحي على اكتشاف الاضطرابات النفسية في وقت مبكر وتوفير المتابعة المستمرة، خصوصاً للأطفال والشباب والمسنين والفئات الأكثر هشاشة.
وهنا تبرز إحدى النقاط الأساسية في النقاش: بناء مستشفى جديد قد يوفر سريراً، لكنه لا يعالج وحده مشكلات الوقاية والتشخيص المبكر والمتابعة والعلاج النفسي وإعادة الإدماج.
والمخطط الحكومي الجديد يستهدف بالفعل رفع عدد الأسرة المخصصة للصحة النفسية من 2466 إلى نحو 4728 سريراً، وزيادة عدد مستشفيات الأمراض النفسية من 10 إلى 17 مؤسسة، إضافة إلى توسيع الهياكل الوسيطة من 4 إلى 24 هيكلاً في أفق 2030.
وهذا يجعل الاختبار الحقيقي للمخطط مرتبطاً بقدرته على تحويل هذه الأهداف الرقمية إلى خدمات تصل فعلياً إلى المواطن، سواء في المدن أو المناطق النائية.
ومن أبرز المؤاخذات التي تطرحها الشبكة ارتفاع كلفة العلاج النفسي، خصوصاً عندما تضطر الأسر إلى اللجوء إلى القطاع الخاص بسبب محدودية العرض العمومي.
وتقول الشبكة إن هذا الوضع قد يجعل الأسر محدودة ومتوسطة الدخل أمام معادلة قاسية: إما تحمل نفقات متكررة للعلاج والاستشفاء، أو مواجهة تداعيات مرض أحد أفرادها من دون التكفل الطبي الضروري.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تكون المتابعة طويلة الأمد، لأن الاضطرابات النفسية لا تحتاج دائماً إلى تدخل واحد، بل قد تتطلب استشارات وأدوية ومراقبة منتظمة ودعماً نفسياً واجتماعياً.
ومن هنا يأتي مطلب الشبكة بجعل العلاج النفسي جزءاً فعلياً من الحق في الصحة، وليس خدمة ترتبط بقدرة المريض أو أسرته على الأداء.
بين المرض النفسي والتشرد.. الحلقة الأكثر قسوة
حذرت الشبكة كذلك من أن غياب التكفل المناسب ببعض الحالات النفسية الحادة قد يؤدي إلى نتائج اجتماعية مأساوية، من بينها التشرد والتعرض للاستغلال والعنف، فضلاً عن المخاطر التي قد تطال المرضى أنفسهم أو محيطهم.
وانتقدت الشبكة ما تعتبره لجوء بعض الأسر إلى الأضرحة والطب الشعبي والشعوذة بسبب اليأس من الحصول على علاج متخصص، في صورة تكشف، بحسبها، أن الأزمة ليست طبية فقط، وإنما ترتبط أيضاً بالوعي المجتمعي والوصم الاجتماعي وضعف خدمات القرب.
فحين يغيب التشخيص والعلاج، لا تختفي المشكلة؛ وإنما قد تنتقل من المستشفى إلى المنزل، ومن المنزل إلى الشارع.
ومن أكثر الملفات حساسية التي أثارتها الشبكة الإطار التشريعي للصحة النفسية،فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سبق أن سجل أن الإطار القانوني المغربي في هذا المجال يعود إلى سنة 1959، ودعا إلى مراجعة مشروع القانون رقم 71.13 المتعلق بمكافحة الاضطرابات العقلية وحماية حقوق الأشخاص المصابين بها.
واللافت أن مشروع القانون 71.13، الذي أودع لدى مجلس النواب سنة 2016، ظل لسنوات ضمن المسار التشريعي، قبل أن تسجل الوثائق البرلمانية أن المشروع سُحب برسالة من رئيس الحكومة بتاريخ 25 غشت 2023.
فالقضية لا تتعلق فقط بالعلاج، بل أيضاً بحقوق الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية، وشروط التكفل بهم، والضمانات القانونية، ومسؤوليات مختلف المتدخلين، وآليات حماية المريض وأسرته ومهنيي الصحة.
مخطط بـ4 مليارات.. والاختبار يبدأ من الإنسان
لا تنكر الشبكة أهمية انتقال الصحة النفسية إلى صدارة النقاش العمومي، بل تسجل إيجابية إطلاق المخطط الوطني للصحة النفسية 2030، لكنها تحذر من أن نجاحه لن يقاس فقط بحجم الميزانية أو عدد المؤسسات التي سيتم بناؤها.
وتساءلت الشبكة،هل سيتمكن المواطن المغربي، عندما يحتاج إلى طبيب نفسي أو دواء أو سرير للاستشفاء أو متابعة طويلة الأمد، من الحصول عليه في الوقت المناسب وبكلفة يستطيع تحملها؟
لأن الأسرة التي تواجه مرضاً نفسياً داخل بيتها لا تحتاج فقط إلى أرقام في مخطط حكومي، وإنما تحتاج إلى طبيب، ودواء، وسرير، ومتابعة، وحماية قانونية، ومواكبة اجتماعية.
وفي النهاية، فإن الصحة النفسية لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز لمن يستطيع الدفع، ولا إلى مأساة تخفيها الأسر خوفاً من الوصم الاجتماعي.