من يصنع الترند الفني في المغرب؟ حين تتحول الخوارزمية والجمهور والصفحات إلى قوة واحدة
هيام بحراوي
لم يعد السؤال في الساحة الفنية المغربية مقتصرا على من يملك الأغنية الأفضل؟ بل أصبح أكثر تعقيدا، من يستطيع أن يجعل هذه الأغنية تصل إلى أكبر عدد من المغاربة؟
في زمن المنصات الرقمية، لم تعد شركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية وحدها قادرة على صناعة النجومية، فالأغنية قد تبدأ من استوديو صغير، لكنها قد تتحول خلال ساعات إلى حديث الآلاف إذا التقطتها خوارزميات المنصات، وتناقلتها صفحات مؤثرة، واستعملها صناع المحتوى، ثم منحها الجمهور دفعة إضافية من المشاهدات والتعليقات والمشاركات.
وبذلك، فإن الترند الفني المغربي لا تصنعه جهة واحدة، وإنما ينتج عن تفاعل معقد بين المنصات الرقمية، والمنتجين والمعلنين، وصفحات “البوز”، والمؤثرين، والأهم من ذلك كله: الجمهور نفسه.
اللاعب الذي لا يظهر على الشاشة
تحتل خوارزميات المنصات موقعا مركزيا في تحديد المحتوى الذي يصل إلى الجمهور، لكن من الخطأ تصورها كجهة تختار ببساطة فنانا وتقرر جعله ترندا، في هذا الصدد ،يوضح يوتيوب رسميا أن نظام التوصيات يعتمد على مجموعة واسعة من الإشارات، من بينها ما يشاهده المستخدم، وما يبحث عنه، وما يتفاعل معه، ومدة بقائه في الفيديو، إضافة إلى مؤشرات مرتبطة بمدى رضا المشاهد. كما تتأثر عملية الانتشار بحجم الاهتمام بالموضوع ومستوى المنافسة عليه.
وهذا يعني أن الخوارزمية، في جانب كبير منها، تقرأ الجمهور ثم تعيد تقديم ما يبدو أنه يجذب اهتمامه،فإذا حققت أغنية نسبة مشاهدة قوية واحتفظت بالمشاهدين وحصلت على تفاعل واسع، ترتفع فرص ظهورها أمام مستخدمين آخرين. وفي المقابل، لا يعني وجود حملة ترويجية ضخمة بالضرورة أن العمل سيصبح ترنداً إذا لم يتفاعل معه الجمهور.
المغرب.. جمهور رقمي قادر على صناعة النجوم
أصبحت السوق الرقمية المغربية واسعة بما يكفي لتحويل مقطع موسيقي إلى ظاهرة جماهيرية خلال وقت قصير،وتشير بيانات Digital 2026: Morocco إلى وجود نحو 22.8 مليون هوية مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي في المغرب في أكتوبر 2025، فيما بلغ الوصول الإعلاني المحتمل ليوتيوب نحو 21.6 مليون مستخدم في الفترة نفسها. كما تشير بيانات المنصة الإعلانية لتيك توك إلى وصولها إلى 16.7 مليون مستخدم بالغ في المغرب.
ورغم أن هذه الأرقام لا تعني بالضرورة عدد الأشخاص الفريدين أو المستخدمين النشطين شهرياً، فإنها تكشف حجم السوق الرقمية التي أصبحت جزءاً أساسياً من صناعة الشهرة والترويج الفني،وهنا تظهر قوة الجمهور، فالمستخدم المغربي لم يعد مجرد متلقٍ للعمل الفني، بل أصبح شريكا في تحديد مدى انتشاره.
شركات الإنتاج.. المال يفتح الباب لكنه لا يضمن البقاء
في الطرف الآخر توجد شركات الإنتاج والفنانون والجهات التي تمتلك ميزانيات للترويج،الإعلانات المدفوعة، التعاون مع المؤثرين، إنتاج فيديوهات قصيرة، تنظيم حملات على منصات متعددة، وإعادة نشر المقاطع الأكثر قابلية للانتشار، كلها أدوات يمكن أن تمنح العمل دفعة أولى.
لكن حسب المهنيين، هناك فرق بين شراء الظهور وصناعة الاستمرار،فالحملة الإعلانية يمكن أن تجعل آلاف الأشخاص يشاهدون مقطعا، لكنها لا تستطيع وحدها إجبارهم على إعادة الاستماع إليه أو مشاركته أو استخدامه في فيديوهاتهم،وهنا تعود الكرة إلى الجمهور والخوارزمية.
غرفة الأخبار غير الرسمية للفن
في المشهد المغربي، تلعب صفحات الأخبار الفنية والصفحات الجماهيرية الكبرى دوراً متزايداً في تحديد المواضيع التي تستحوذ على النقاش،قد تنشر صفحة مقطعاً قصيراً من أغنية جديدة، أو تصريحاً لفنان، أو خبراً عن خلاف بين فنانين، فيبدأ النقاش في التعليقات، ثم تنتقل المادة إلى صفحات أخرى، وبعدها إلى تيك توك وإنستغرام ويوتيوب.
وفي هذه اللحظة قد يحدث ما يشبه كرة الثلج الرقمية: منشور صغير يتحول إلى نقاش، والنقاش يتحول إلى مشاهدات، والمشاهدات تجذب مزيداً من الصفحات، ثم يصبح الموضوع نفسه مادة للترند.
ومن أكثر التحولات اللافتة في صناعة الترند الفني أن العمل الفني لم يعد دائما هو الذي يقود شهرة الفنان،أحياناً يكون الخلاف، أو التصريح المثير، أو الحياة الشخصية، أو رد فنان على فنان آخر، أكثر قدرة على جذب الجمهور من الأغنية نفسها.
وهنا تظهر ثقافة “البوز”،فالمحتوى الذي يثير الفضول أو الغضب أو النقاش قد يحصل على تفاعل سريع، ما يمنحه انتشاراً أوسع. لكن الانتشار لا يعني بالضرورة الجودة الفنية، كما أن كثرة التعليقات لا تعني أن الجمهور يتفق مع مضمون المحتوى.بل إن الجدل في بعض الأحيان قد يكون في بعض الأحيان هو المنتج الحقيقي للترند.
تيك توك.. عندما تصبح الأغنية جزءاً من محتوى آخر
أحدث تيك توك تغييراً مهماً في علاقة الأغنية بالجمهور،في السابق، كان نجاح الأغنية مرتبطاً أساساً بالاستماع إليها كاملة. أما اليوم، فقد يكفي مقطع مدته بضع ثوانٍ ليصبح الأكثر شهرة من العمل كله.
يأخذ صانع محتوى جزءاً من الأغنية ويضعه خلفية لفيديو، ثم يقلده آخرون، وتظهر تحديات جديدة، ويصبح المقطع الصوتي مستخدماً في مئات أو آلاف الفيديوهات،وهنا لا يعود الفنان وحده هو الذي يروّج للأغنية؛ الجمهور نفسه يتحول إلى شبكة توزيع ضخمة.
هل المال يصنع الترند؟
الجواب الأكثر دقة هو، المال يستطيع أن يساعد في صناعة الانطلاقة، لكنه حسب فنانين، لا يضمن صناعة الظاهرة،فالإنفاق الإعلاني يستطيع زيادة الوصول، واستقطاب الانتباه، وتعريف الجمهور بعمل جديد. لكن استمرار العمل في دائرة الانتشار يرتبط بما إذا كان الناس سيشاهدونه ويتفاعلون معه ويعيدون استخدامه ومشاركته.
وتوضح يوتيوب أن أنظمة التوصية تركز على أداء المحتوى واستجابة المشاهدين له، بما في ذلك قرارهم مشاهدة الفيديو، والاستمرار فيه، والتفاعل معه ودرجة رضاهم عنه.
بمعنى آخر، يمكن للمال أن يطرق الباب، لكن الجمهور هو الذي يقرر في كثير من الأحيان ما إذا كان الباب سيبقى مفتوحا والدليل أن عددا من الفنانين رغم المال لم يستطيعوا استمالة قلوب الجماهير وانطفأ بريقهم بعد سنة من العمل فقط.
الجمهور المغربي ذواق
في نهاية المطاف، قد تكون الخوارزمية قوية، وشركة الإنتاج غنية، والصفحة مؤثرة، لكن كل هذه العناصر تحتاج إلى شيء واحد هو تفاعل الناس، وجميع الفنانين العرب والمغاربة يشهدون أن الجمهور المغربي جمهو صعب وذواق يحتاج الابداع لتجعله يتابعك ويأتي إليك،فالمستخدم الذي يشاهد الأغنية، يعيد تشغيلها، يشاركها، يبحث عن اسم الفنان، يستخدم صوتها في فيديو أو يدخل في نقاش حولها، يرسل إشارات رقمية تؤثر في مسار انتشار المحتوى.
فالترند أقرب إلى سوق جماهيري رقمي تتصارع داخله الأعمال الفنية، والإعلانات، والمشاهير، والصفحات، والمؤثرون، والخوارزميات، ثم يأتي الجمهور ليمنح بعض المحتويات فرصة الاستمرار بينما يسقط أخرى سريعاً.
فشركات الإنتاج تصنع المحتوى وتضخ المال، الصفحات تصنع النقاش، المؤثرون يوسعون الانتشار، المنصات ترتب ما يظهر للمستخدم، والجمهور هو من يمنح المحتوى الوقود الحقيقي.