عنزةُ السيد سوغان⁶

بقلم: الحسن بلعربي*

لا أذكر إن كنتُ قد بكيتُ يوم قرأتُ قصة “عنزة السيد سوغان “لأول مرة، لكنني أذكر يقينًا أنني ظللت أيامًا أحمل حزنًا أثقل من قلبي الصغير. كنت في العاشرة تقريبًا، وكانت القصة ضمن مقررات المدرسة. يومها لم أفهم لماذا كان لا بد أن تموت العنزة، ولماذا انتصر الذئب في النهاية.

كنت أرى أن ذنبها الوحيد أنها أحبت الحرية. لم تطلب أكثر من أن ترعى فوق التلال، وأن تتذوق طعم الأعشاب البرية، وأن تعيش يومًا واحدًا بلا حبل يشد عنقها. أما الذئب، فلم يكن في عيني سوى قاتلٍ سرق منها حقها في الحياة.

في طفولتي، كانت العدالة بسيطة. قررت أن أحبس كل ذئاب الغابة، حتى لا تموت عنزة أخرى، وحتى تعيش الماعز حرة إلى الأبد.

انتبهت جدتي إلى صمتي، فسألتني عن السبب. رويت لها القصة، وأعلنت لها خطتي بثقة الأطفال. ابتسمت، ثم قالت بهدوء:

— يا بني، لو سجنتَ الذئاب، فمن يطعمها؟ وماعزنا، وإن كانت مقيدة قليلًا، فهي آمنة، تعرف أين تأكل وأين تنام. تمنحنا الحليب، ونعيش نحن وهي في عهدٍ قديم؛ نحميها، وتمنحنا ما نستعين به على الحياة. أما الحرية في الغابة، فثمنها باهظ، وليس كل من يطلبها يعود منها حيًا.

لم أقتنع تمامًا، لكن كلماتها زرعت في داخلي سؤالًا لم يفارقني. تراجعت عن فكرة سجن الذئاب، لا لأنني سامحتها، بل لأنني اكتشفت أن العالم أعقد من أحلام طفل يريد أن ينتصر الخير دائمًا.

كبرت، وكبرت معي الحكاية.

لم تعد عنزة السيد سوغان مجرد عنزة، ولم يعد الذئب مجرد ذئب. صارت القصة مرآة أرى فيها البشر. كثيرون يختارون الأمان وهم يعرفون ثمنه، وآخرون يركضون خلف الحرية وهم يدركون أنها قد تقودهم إلى الهلاك. وبين هؤلاء وأولئك، يمضي العالم كما مضى دائمًا، لا تحكمه العدالة بقدر ما تحكمه موازين القوة.

أدركت أيضًا أن الذئب لم يكن شريرًا كما تخيلته في طفولتي؛ كان وفيًا لطبيعته، كما كانت العنزة وفية لطبيعتها. المأساة لم تكن في أحدهما، بل في اللقاء الذي كان لا بد أن يقع بين حرية لا تعرف الحساب، وقوة لا تعرف الرحمة.

ومع ذلك، كلما عادت القصة إلى ذاكرتي، أجد الطفل الذي كنته ما يزال حيًا في مكان ما داخلي. ما يزال يحزن لموت العنزة، وما يزال يتمنى، ولو لمرة واحدة، أن يخطئ الذئب طريقه، وأن تنجو تلك الصغيرة، وأن تمنحها الحياة فرصة أخرى.

ربما لهذا السبب بقيت قصة ألفونس دودي تسكنني كل هذه السنين. ليست لأنها علمتني أن العالم قاسٍ، بل لأنها علمتني أن الإنسان، مهما كبر، يحتفظ في أعماقه بطفل يرفض أن يصدق أن الحرية قد تكون أحيانًا أغلى من الحياة نفسها.

  • * كاتب وأستاذ جامعي بإسبانيا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.