مراكش تحتضن قمة السماء العالمية: المغرب يعزز موقعه في خريطة الملاحة الجوية الدولية
متابعة: رضوان الصاوي
في لحظة تعكس التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطيران المدني على الصعيد العالمي، تحولت مدينة مراكش إلى منصة دولية لصناعة القرار في مجال الملاحة الجوية، باحتضانها فعاليات الدورة الخامسة للندوة الدولية حول الطيران المدني الدولي التي تنظيمها وزارة النقل و اللوجستيك بالمغرب و منظمة الطيران المدني الدولي “إيكاو” خلال الفترة الممتدة من 14 إلى 16 أبريل 2026، بمشاركة وفود رسمية وخبراء وممثلين عن هيئات الطيران من مختلف دول العالم. حدث دولي يعكس حجم الرهانات المتزايدة التي باتت تحيط بقطاع الطيران، في ظل المنافسة المتصاعدة بين الدول حول السيطرة على الممرات الجوية وتحويل المطارات إلى مراكز عبور استراتيجية بين القارات.
وخلال الجلسة الافتتاحية، ألقى وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح كلمة ترحيبية بالوفود المشاركة، أكد فيها أن الطيران المدني لم يعد مجرد وسيلة للنقل، بل تحول إلى رافعة اقتصادية واستراتيجية مؤثرة في حركة الاستثمار والسياحة والتجارة العالمية. وأبرز أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، يضع تطوير هذا القطاع ضمن أولوياته الكبرى، من خلال تحديث البنيات التحتية الجوية وتعزيز معايير السلامة والأمن وتطوير القدرات التقنية بما يتماشى مع المعايير الدولية.
وشهدت الجلسة الافتتاحية أيضاً توقيع اتفاقيات تعاون جديدة تعكس الرغبة المشتركة في تعزيز الشراكة بين المغرب والمنظمات الدولية المتخصصة في الطيران. فعلى هامش الدورة الخامسة لهذه الندوة الدولية، تم توقيع اتفاقيتين بين وزارة النقل واللوجستيك ومنظمة الطيران المدني الدولي في شخص الكاتب العام للمنظمة خوان كارلوس سالازار، حيث تهدف هذه الاتفاقية إلى تمكين مفتشين مغاربة في مجال الطيران المدني من الاستفادة من برنامج تكوين متخصص يمتد على مدى ثلاث سنوات، يستفيد منه ما يقارب مائة مفتش مغربي، وذلك في إطار مواكبة التطورات التقنية والتنظيمية التي يعرفها قطاع الطيران المدني في الدول المتقدمة.
ويرتكز هذا البرنامج التكويني على تعزيز قدرات الكفاءات المغربية في عدد من المجالات الحيوية المرتبطة بسلامة الطيران، من بينها مراقبة الحوادث الجوية، وتتبع عمليات الطيران، ومراقبة صلاحيات الطائرات، إضافة إلى تطوير مهارات التقييم والتدقيق في مختلف الجوانب المرتبطة بالملاحة الجوية. ويهدف هذا البرنامج كذلك إلى رفع مستوى الكفاءة المهنية للمفتشين وتعزيز قدرات الأداء الوظيفي داخل منظومة الطيران المدني المغربية بما يضمن مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها هذا القطاع عالمياً.
ويأتي احتضان المغرب لهذه الدورة الدولية في سياق دولي يتسم بتزايد أهمية الطيران المدني باعتباره أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد العالمي، حيث لم تعد المطارات مجرد فضاءات للسفر، بل تحولت إلى مراكز اقتصادية ولوجستيكية ضخمة تلعب دوراً محورياً في حركة التجارة والسياحة والاستثمار. كما يعكس اختيار المغرب لتنظيم هذه الندوة الدولية الثقة المتزايدة التي تحظى بها المملكة داخل المؤسسات الدولية المتخصصة في الطيران، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي عند ملتقى أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين.
ويؤكد متابعون أن هذه الدينامية تتقاطع مع التحضيرات الجارية لاستضافة كأس العالم 2030 الذي ستنظمه المملكة بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، وهو الحدث العالمي الذي يفرض تحديثاً شاملاً لمنظومة النقل الجوي وتوسيع القدرة الاستيعابية للمطارات المغربية لاستقبال ملايين المسافرين في فترة زمنية وجيزة.
وفي خضم هذه التحولات، تبدو الدورة الخامسة للندوة الدولية حول الطيران المدني الدولي بمراكش أكثر من مجرد لقاء تقني بين خبراء القطاع، بل محطة استراتيجية تعكس إرادة المغرب في تعزيز حضوره داخل منظومة الطيران العالمية، والتحول تدريجياً إلى منصة جوية ولوجستيكية تربط القارات الثلاث، في عالم تتزايد فيه أهمية التحكم في شبكات النقل الجوي باعتبارها أحد مفاتيح القوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.