“أسعار المحروقات في المغرب… بين تقلبات الجيوسياسة وجشع الفاعلين: من المستفيد ومن المتضرر؟”

متابعة: رضوان الصاوي

في سياق دولي متوتر، يطبعه تصاعد حدة المواجهة في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، عاد شبح تقلبات أسعار النفط ليخيم بثقله على الاقتصاد العالمي، ومعه الاقتصاد المغربي الذي يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد حاجياته من المحروقات. غير أن ما فاجأ المتتبعين ليس الارتفاع في حد ذاته، بل وتيرته “الصاروخية” وحدّته التي تجاوزت كل التوقعات.

في هذا الإطار، كشف خالد الشناق في تصريح مطول لأحد المنابر الإعلامية، بصفته رئيس الجمعية المهنية لأرباب محطات البنزين والنائب البرلماني عن دائرة إنزكان أيت ملول، معطيات مثيرة تضع سوق المحروقات بالمغرب تحت مجهر المساءلة، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام قواعد المنافسة وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

أكد الشناق أن الزيادة الأخيرة بلغت حوالي درهمين في الكازوال ودرهم و44 سنتيماً في البنزين الممتاز، واصفاً إياها بـ”المهولة وغير المبررة”. وتكتسي هذه الزيادات طابعاً إشكالياً بالنظر إلى الإطار القانوني المنظم للقطاع، والذي يلزم الشركات الموزعة بالاحتفاظ بمخزون استراتيجي يكفي لشهرين، بهدف امتصاص الصدمات الظرفية المرتبطة بالأزمات الدولية.

غير أن الواقع، وفق الشناق، يكشف اختلالاً واضحاً، حيث لم يتم تفعيل هذا المقتضى بالشكل الذي يضمن استقرار الأسعار، بل على العكس، تم تمرير زيادات فورية وكبيرة دون مراعاة الظرفية الاجتماعية والاقتصادية للمواطن.

الأخطر في تصريح الشناق هو ما أشار إليه من أرباح “غير قانونية” تجنيها بعض الشركات الموزعة. فبحسب تقديراته، يمكن لشركة تتوفر على مخزون يصل إلى 200 ألف متر مكعب أن تحقق أرباحاً إضافية تتراوح بين 40 و50 مليار سنتيم بمجرد تطبيق الزيادة الجديدة، في حين قد تجني شركات أخرى ما يقارب 10 مليارات سنتيم، تبعاً لحجم مخزونها.

هذه الأرقام تطرح شبهة استغلال الظرفية الدولية لتحقيق هوامش ربح استثنائية، في غياب آليات ضبط فعالة، ما يعمق الإحساس بغياب العدالة السوقية ويزيد من الضغط على القدرة الشرائية للمواطن.

لم تقف الانتقادات عند حدود التسعير، بل امتدت إلى ممارسات التزويد، حيث كشف الشناق أن بعض الشركات الموزعة امتنعت عن تزويد محطات البنزين في الأيام التي سبقت الزيادة، رغم توصلها بطلبات رسمية، في انتظار تطبيق الأسعار الجديدة.

ووصف هذا السلوك بـ”غير الأخلاقي”، معتبراً أنه يضرب في العمق مبدأ الشراكة بين المزودين وأرباب المحطات، الذين يشكلون الحلقة الأضعف في سلسلة التوزيع. فهؤلاء، حسب قوله، يتحملون خسائر انخفاض الأسعار، بينما يُحرمون من التزود عند الارتفاع، في مفارقة تكشف اختلال توازن القوة داخل السوق.

يجد أرباب محطات الوقود أنفسهم في وضعية حرجة، إذ يشتغلون بهامش ربح لا يتجاوز 40 سنتيماً للتر، في مقابل أعباء تشغيلية ثقيلة تشمل الأجور، الضرائب، تكاليف الطاقة والكراء. ومع هذه الاضطرابات، تتضاعف الضغوط عليهم، خاصة في ظل تهافت المواطنين على التزود بكميات كبيرة فور انتشار أخبار الزيادات، ما يخلق اختلالات في التزود ويؤدي أحياناً إلى نفاد المخزون.

حذر الشناق من تداعيات هذه الأزمة على الاقتصاد الوطني، معتبراً أن ما يحدث يندرج ضمن ما يسميه بعض الاقتصاديين بـ”التضخم الجشع”، حيث لا تعكس الأسعار فقط كلفة الاستيراد، بل أيضاً هوامش ربح مبالغ فيها.

وانتقد في الوقت ذاته ما وصفه بـ”موقف المتفرج” للحكومة، مطالباً بتفعيل آليات المراقبة والمساءلة، خاصة من طرف المؤسسات الدستورية المختصة، وعلى رأسها مجلس المنافسة، لضبط السوق والتصدي لأي ممارسات احتكارية أو منافية لقواعد المنافسة.

كما شكك الشناق في نجاعة سياسة دعم مهنيي النقل التي اعتمدتها الحكومة في سياق الأزمة الروسية الأوكرانية، معتبراً أنها لم تحقق الأثر المطلوب، بل انتهى جزء منها بشكل غير مباشر إلى الشركات المزودة، دون أن ينعكس ذلك على الأسعار النهائية.

في ختام تصريحه، دعا الشناق إلى إعادة بناء العلاقة بين أرباب المحطات والشركات الموزعة على أساس شراكة عادلة “رابح-رابح”، تضمن استقرار السوق وتحمي مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم المواطن.

وبين تقلبات الجغرافيا السياسية واختلالات السوق الداخلية، يظل السؤال معلقاً: هل تتحرك الجهات المعنية لوقف نزيف الأسعار، أم أن المواطن سيظل الحلقة الأضعف في معادلة طاقية تزداد تعقيداً ؟…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.