إنزكان تكتب فصلها الثقافي الجديد: شباب يبدع ومسرح يولد من رحم الطموح

متابعة: رضوان الصاوي

لم تكن الدورة الأولى لمسرح الشباب بمدينة إنزكان مجرد تظاهرة ثقافية عابرة، بل كشفت، بوضوح لافت، مفارقة صارخة بين حيوية الطاقات الشابة التي أبدعت فوق الركح، وبين هشاشة التأطير المؤسساتي الذي ما زال يتعامل مع الثقافة بمنطق المناسبات لا بمنطق السياسات العمومية.

التظاهرة، التي نظمتها جمعية المناهل للثقافة والرياضة بشراكة مع جماعة إنزكان يومي 25 و26 أبريل 2026 بالمسرح الجماعي تيكيوين، رفعت شعار “نحو مسرح شبابي جديد ومتجدد”، وهو شعار يبدو أكبر بكثير من الإمكانيات المرصودة ومن الرؤية المؤطرة. فبينما قدمت الفرق المشاركة عروضاً جريئة عكست وعياً فنياً متقدماً، ظل السؤال معلقاً: أين هي الاستمرارية؟ وأين هي البنية الحاضنة لهذا “التجديد” المعلن ؟

العروض المسرحية التي تنافست على جوائز الدورة أبانت عن مستوى فني واعد، بل إن بعض الأعمال لامست قضايا اجتماعية وثقافية بجرأة تحسب للشباب، لا للمؤسسات. فهؤلاء الشباب، الذين أبانوا عن قدرة حقيقية على الإبداع، يشتغلون في ظروف يغلب عليها ضعف الدعم وقلة التأطير، ما يجعل نجاحهم أقرب إلى “مقاومة ثقافية” منه إلى نتيجة طبيعية لسياسة عمومية ناجعة.

نتائج المسابقة، التي توجت نادي الدراما للمسرح والتنشيط من دار الشباب الحي الحسني بأكادير بالمرتبة الأولى، تبرز أن التميز لا يرتبط بالضرورة بالمجال الترابي لإنزكان، بل بالاجتهاد الذاتي للفرق. وهو معطى يطرح تساؤلات حقيقية حول دور المؤسسات المحلية في احتضان وتطوير المواهب داخل المدينة نفسها، بدل الاكتفاء بلعب دور المنظم الظرفي.

أما حفل التتويج، بما حمله من شواهد تقديرية وجوائز رمزية، فقد بدا وكأنه محاولة لتجميل صورة مشهد ثقافي يعاني في العمق من غياب رؤية واضحة. فتكريم المجهودات، رغم أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب بنية تحتية ثقافية قوية، ولا نقص البرامج التكوينية المستمرة التي يحتاجها الشباب لصقل مواهبهم.

الحضور الجماهيري والتفاعل الإيجابي مع العروض يعكسان بدورهما تعطشاً حقيقياً للفعل الثقافي، لكن هذا المعطى يُحرج أكثر مما يُطمئن، لأنه يضع المؤسسات أمام مسؤولية مضاعفة: جمهور موجود، ومواهب حاضرة، لكن الحلقة المفقودة تظل في التخطيط والاستثمار المستدام.

حتى الفقرة الختامية، التي تألقت فيها فرقة كورال الفنانين الجدد، لم تكن مجرد لحظة فنية جميلة، بل رسالة غير مباشرة مفادها أن الإبداع موجود رغم كل الإكراهات، وأن الشباب قادر على فرض نفسه خارج حسابات الدعم المحدود والبرامج الموسمية.

ما كشفته هذه الدورة، في العمق، هو أن إنزكان تتوفر على رأسمال بشري ثقافي غني، لكن هذا الرأسمال يُستنزف في غياب رؤية استراتيجية واضحة المعالم. فالثقافة هنا لا تزال تُدار بمنطق “الحدث” بدل “المشروع”، وبعقلية “التنشيط” بدل “التنمية”.

إن الحديث عن “مسرح شبابي جديد ومتجدد” لا يمكن أن يتحقق عبر دورتين أو ثلاث، ولا عبر مبادرات معزولة، بل يتطلب سياسة ثقافية جريئة، تُدمج التكوين، والدعم، والبنية التحتية، وتضع الشباب في صلب القرار لا في هامشه.

في الختام، نجحت الدورة الأولى لمسرح الشباب… لكنها، paradoxically، فضحت أكثر مما احتفلت. نجحت لأن الشباب أبدع، وفشلت المؤسسات في أن تجعل من هذا الإبداع مشروعاً مستداماً. وهنا تكمن القصة الحقيقية التي لا تُقال في بيانات الختام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.