فاجعة المستقبل.. طوابق بنيت في الظل فسقطت في وضح النهار
بقلم: ع.ب
لم تكن كارثة سقوط عمارات حي المستقبل التي أودت بحياة 22 شخصا وخلفت 16 جريحاً حادثا عرضيا يمكن أن يمر في صمت. لقد أعادت الفاجعة فتح ملف التعمير بالمغرب، وكشفت أن الخلل لم يكن في الإسمنت الذي انهار، بل في المنظومة التي سمحت له بأن يبنى على هذا النحو.
العمارات المنهارة كانت مرخصا لها بطابقين، غير أنّ الواقع كان مختلفا بشكل صادم؛ طوابق إضافية شُيّدت بعيدا عن المراقبة ودون احترام معايير السلامة الهندسية. حين تصبح الرخص مجرد ورق، وحين تتحول بعض الأوراش إلى فضاءات مسيبة تبنى خارج القانون، يصبح سقوط الأرواح مسألة وقت لا أكثر.
المسؤولية هنا ليست على طرف واحد. هي سلسلة كاملة من التقصير تبدأ من السلطات التي لم تمارس رقابة صارمة، وتمر عبر لجانٍ وافقت أو صمتت، وتصل إلى منعشين عقاريين لا يترددون في التضحية بالأمان مقابل الربح. وبين هذه الحلقات، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يسكن في بنايات لا يعرف حقيقتها إلا عند وقوع الكارثة.
هذه الفاجعة تحمل رسائل واضحة يجب أن تقرأ بجدية. أولها أن المراقبة ليست عملا شكليا بل هي صمام الأمان الوحيد لحماية الأرواح. وثانيها أن الحديث عن الإصلاح لا معنى له إذا ظل تطبيق القانون انتقائيا أو مرهونا بعلاقات وتوازنات محلية. وثالثها أن ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس شعارا سياسيا، بل ضرورة وجودية كي لا تتحول مدننا إلى مقابر معلقة.
كما أن منطق الربح السريع الذي يسير بعض مشاريع البناء يفرغ العمران من روحه ويحوله إلى عملية تجارية محضة، يتم فيها تهميش معايير الجودة والسلامة. المدن لا تبنى بالأرباح فقط، بل بالضمائر الحية التي تعرف أن كل طابق إضافي غير مرخص قد يكون سببا في مأساة.
ويبقى المجتمع بدوره جزءا من الحل. التبليغ عن أي ورش مشبوه، ورفض السكوت عن المخالفات، والضغط على المنتخبين والمصالح المختصة، كلها آليات لحماية الحق في السكن الآمن. الصمت هو أكبر شريك في وقوع مثل هذه المآسي.
إن فاجعة حي المستقبل ليست رقما جديدا ضمن حوادث التعمير، بل جرس إنذار يجب أن يدفع الجميع إلى إعادة النظر في طريقة تدبير العمران. وحتى لا يتكرر هذا المشهد المؤلم، لا يكفي أن نترحم على الضحايا ونعد بتشكيل اللجان. ما نحتاجه فعلا هو إرادة صادقة تعيد للقانون هيبته، وتضع سلامة المواطنين فوق كل اعتبار.