من 11 شتنبر إلى اليوم.. حين يتقاطع إرهاب التنظيمات مع إرهاب الدولة
معكم 24
في كل عام، ومع حلول 11 شتنبر، تعود الذاكرة إلى صور الدمار والهلع التي صنعتها الهجمات الإرهابية بالولايات المتحدة سنة 2001، تلك اللحظة التي غيرت مسار العالم وأطلقت حربا عالمية على الإرهاب. لكن، وبينما يواصل المجتمع الدولي استحضار تلك المأساة للتأكيد على رفض العنف والتطرف، يطل اليوم مشهد آخر لا يقل دموية: إرهاب تمارسه دولة بكامل أجهزتها، هو إرهاب الاحتلال الإسرائيلي الذي يحاصر ويجوع ويقتل شعباً أعزل، أمام صمت دولي يثير الكثير من الأسئلة حول معنى العدالة ومعاييرها.
تمر ذكرى 11 شتنبر وقد تجاوز العالم عقدين من الزمن على تلك الأحداث التي هزت الإنسانية وغيرت وجه العلاقات الدولية. ورغم ما حملته من دروس قاسية حول خطورة الإرهاب العابر للحدود، فإن المشهد العالمي اليوم يكشف عن مفارقة عميقة: ففي الوقت الذي يتوحد فيه العالم لمحاربة إرهاب الأفراد والتنظيمات، يتم التغاضي عن إرهاب من نوع آخر تمارسه بعض الدول تحت غطاء الشرعية والقوة.
لقد عانى العالم من التنظيمات المتطرفة التي استباحت الأرواح ونشرت الرعب، لكن الإرهاب ليس حكرا على جماعات مسلحة في الجبال أو الصحارى. فهناك إرهاب ممنهج ترعاه دول، يتجسد في الاحتلال والاستيطان والقتل اليومي والتجويع والحصار. ولعل المثال الأبرز هو ما تقوم به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، من تهجير قسري وتدمير للبنى التحتية وقتل للأطفال والنساء والشيوخ، في انتهاك صارخ للقانون الدولي والإنساني.
إن هذا النمط من الإرهاب – إرهاب الدولة – لا يقل خطورة عن إرهاب التنظيمات، بل يتجاوزه من حيث كونه يهدد السلم والاستقرار العالميين. فحين يترك شعب بأكمله عرضة للقصف والحصار والجوع، فإن بذور الغضب واليأس والتطرف تتجذر، مهددة الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
وإذا كانت هجمات 11 شتنبر قد دفعت العالم إلى إطلاق “الحرب على الإرهاب”، فإن العدالة تقتضي اليوم أن تشمل هذه الحرب كل أشكال الإرهاب، سواء ارتكبته جماعات متطرفة أو دول تملك ترسانة عسكرية ودعما سياسيا. الكيل بمكيالين لا يؤدي إلا إلى فقدان المصداقية وإعادة إنتاج دوامات العنف.

إن الدرس الحقيقي من 11 شتنبر هو أن الأمن العالمي لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما عبر مقاربة شمولية تنصف الشعوب المقهورة وتضمن حقوقها. فبدون عدالة في فلسطين، وبدون ردع لإرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل يوميا، سيظل الاستقرار الدولي هشا، وستبقى شعارات مكافحة الإرهاب ناقصة ومجتزأة.