المولد النبوي في المغرب: روحانية، فرح، وتجديد للعهد مع القيم النبوية
معكم 24
يعد الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في المغرب مناسبة دينية وروحية كبرى، تتجاوز حدود الاحتفاء التاريخي بولادة خير البرية، لتصبح محطة للتعبير عن محبة النبي محمد ﷺ، وتجديد الارتباط بقيمه وسنته، وترسيخ الهوية الروحية للمجتمع المغربي.
يولي المغاربة لهذه الذكرى عناية خاصة، إذ تتزين المساجد بالأنوار، وتُتلى فيها الأذكار والمدائح النبوية، وتُقام فيها حلقات العلم والوعظ التي تذكّر بسيرة الرسول الكريم ومكارم أخلاقه. كما تشهد الزوايا والطرق الصوفية في مختلف المدن المغربية ليالي الذكر، حيث يعلو صوت السماع والمديح، في أجواء إيمانية تُدخل السكينة على القلوب وتقرّب الناس من المعاني السامية للرسالة المحمدية.
وعلى المستوى الرسمي، دأب أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، كل سنة على إحياء هذه الليلة المباركة بحضور حفل ديني كبير يُقام بالقصر الملكي، تتخلله تلاوة القرآن الكريم وإنشاد المدائح النبوية، والدعاء بالرحمة والمغفرة للأمة، وهو ما يعكس المكانة الخاصة التي تحتلها هذه المناسبة في وجدان المغاربة وقيادتهم الروحية.
أما على المستوى الاجتماعي، فيتحوّل المولد النبوي إلى مناسبة للتواصل الأسري وصلة الرحم، إذ يجتمع الأهل والأحباب، ويتبادلون أطباق الحلويات التقليدية والمأكولات المغربية الخاصة بهذه المناسبة، مثل “السفوف” و”الفقاص”، في تعبير عن الفرح والمحبة.
كما تحمل المناسبة دلالات رمزية في السياسة الدينية المغربية، حيث يؤكد جلالة الملك على استمرار المغرب في نهج الوسطية والاعتدال، وحماية ثوابته الدينية، وعلى رأسها المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، بما يضمن وحدة المغاربة الروحية وصون هويتهم الإسلامية الأصيلة.
وهكذا، يبقى المولد النبوي في المغرب أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ إنه لقاء بين الماضي والحاضر، يجدد من خلاله المغاربة عهدهم مع قيم الرحمة، والاعتدال، والعدل، والتعايش، المستمدة من سيرة النبي الكريم ﷺ، ليظلّ حبل المحبة موصولًا بين الأرض والسماء، وبين القلوب ونور الرسالة الخالدة.