تحالف اليسار يرفض برنامج حكومة المنصوري ويضعها أمام خمسة اختبارات: «كرامة المغاربة أولوية»
غزلان الورزازي
أعلنت المجموعة النيابية لتحالف اليسار رفضها البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، معتبرة أنه لم يقدم أجوبة كافية عن الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة، ولا سيما في ملفات التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة الجبائية والمحاسبة.
ووضعت المجموعة، خلال مناقشة التصريح الحكومي بمجلس النواب، حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام خمسة اختبارات اعتبرتها معياراً لقياس مدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، منتقدة ما وصفته بغياب أهداف رقمية دقيقة وآجال واضحة لتنفيذ عدد من الوعود الانتخابية، ومشددة على أن شعار «تغيير المسار» يقتضي، في نظرها، مراجعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وليس الاكتفاء بإعادة صياغة الالتزامات السابقة.
وفي مداخلتها، انتقدت المجموعة حصيلة الحكومة السابقة، التي قالت إن حزب رئيسة الحكومة الحالية كان شريكاً في قراراتها، وربطت بين تدبير المرحلة الماضية وارتفاع تكاليف المعيشة وتضارب المصالح واتساع الفوارق الاجتماعية، كما أثارت قضية إعفاء وزيرة بعد تعيينها بوقت وجيز، معتبرة ذلك مؤشراً على اختلالات في تدبير الاختيارات الحكومية.
خمسة اختبارات لمساءلة الحكومة
جعل تحالف اليسار التشغيل أول اختبار لبرنامج الحكومة، منتقداً غياب رقم محدد لمناصب الشغل المستهدف إحداثها، وعدم التنصيص على هدف واضح لخفض البطالة بحلول سنة 2031، رغم الوعود الانتخابية التي نسبتها المجموعة إلى أحزاب الأغلبية بشأن إحداث مليون منصب شغل وتقليص معدل البطالة إلى 7 في المائة.
واعتبرت المجموعة أن التركيز على التكوين والتجارب المهنية لا يكفي لإثبات نجاعة سياسة التشغيل، ما لم يقترن بمناصب شغل فعلية وعقود مستقرة، إلى جانب إجراءات واضحة بشأن الحد الأدنى للأجر وحماية حقوق الشغيلة.
وفي اختبار القدرة الشرائية، انتقدت ما اعتبرته تراجعاً عن بعض الوعود الانتخابية المتعلقة بالدعم الاجتماعي والإعفاءات الضريبية على الأجور والحد الأدنى للمعاشات. كما أثارت غياب إجراءات واضحة بشأن أسعار المحروقات وتسقيفها وإعادة تشغيل مصفاة «سامير»، معتبرة أن التدابير الحكومية ينبغي أن تنعكس مباشرة على نفقات الأسر وتكاليف المعيشة.
أما الاختبار الثالث، المتعلق بالصحة والتعليم، فقد ركز على الخصاص في الموارد البشرية وتراجع جودة الخدمات العمومية، إلى جانب ما وصفته المجموعة باختلال توزيع نفقات التأمين الصحي لصالح القطاع الخاص. وانتقدت عدم تقديم ضمانات كافية بشأن مجانية العلاج والتعليم والجامعة، والزيادة في منح الطلبة، وتعزيز تمويل البحث العلمي.
وفي ما يخص العدالة الجبائية، تساءلت المجموعة عن مصادر تمويل الالتزامات الحكومية، منتقدة التعويل على النمو الاقتصادي لتعبئة الموارد، مقابل غياب إجراءات أكثر وضوحاً بشأن فرض ضرائب تصاعدية على الثروات الكبرى والريع وأرباح الاحتكار، ومحاربة التهرب الضريبي.
وأكدت أن تمويل الحماية الاجتماعية، وفق تصورها، ينبغي أن يقوم على توزيع أكثر إنصافاً للأعباء الضريبية، حتى لا يتحمل الأجراء والفئات المتوسطة وحدهم كلفة الإصلاحات، في حين تستمر الامتيازات المرتبطة بالريع والاحتكار.
أما الاختبار الخامس، فخصصته للمحاسبة ومحاربة الفساد، منتقدة غياب آجال ومؤشرات دقيقة لقياس النتائج، ومثيرة الجدل بشأن الالتزام بتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح. وشددت على أن محاربة الفساد لا يمكن أن تقتصر على التصريحات والوعود، بل تتطلب نصوصاً قانونية فعالة وآليات للمساءلة وتحديد المسؤوليات.
إصلاح دستوري ومحاربة تضارب المصالح
لم تحصر المجموعة انتقاداتها في السياسات الاجتماعية والاقتصادية، بل دعت إلى إصلاح دستوري شامل باتجاه إقامة ملكية برلمانية، تقوم، وفق تصورها، على فصل فعلي للسلط، وحكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع وكاملة الصلاحيات، وبرلمان يمارس التشريع والرقابة، وقضاء مستقل، وهيئة مستقلة للانتخابات.
كما أعلنت تمسكها بمقترحات تشريعية تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتعديل قانون المحاماة، معتبرة أن استقلال الدفاع وضمان حقوق المتقاضين يشكلان جزءاً أساسياً من شروط إصلاح العدالة.
وفي السياق ذاته، انتقدت ما وصفته باستمرار الجمع بين رئاسة السلطة التنفيذية ورئاسة الغرفة التي يفترض أن تمارس الرقابة عليها، معتبرة أن التوازن المؤسساتي يقتضي تعزيز استقلالية البرلمان وقدرته على مساءلة الحكومة.
وتكشف هذه المواقف أن اعتراض تحالف اليسار على البرنامج الحكومي يتجاوز تقييم التدابير المعلنة إلى مساءلة الإطار المؤسساتي الذي تُتخذ داخله القرارات، معتبراً أن الإصلاح السياسي والدستوري شرط لتحويل الوعود الاجتماعية إلى حقوق قابلة للتنفيذ.
الأمازيغية ومغاربة العالم والقضية الفلسطينية
تطرقت المداخلة أيضاً إلى قضايا الهوية والحقوق والحريات، حيث دعت المجموعة إلى إدماج فعلي للأمازيغية في السياسات العمومية، معتبرة أن الاعتراف الرمزي لا يكفي لضمان العدالة اللغوية والثقافية.
كما طالبت بتمكين مغاربة العالم من المشاركة الانتخابية المباشرة عبر القنصليات، وضمان تمثيلهم داخل المؤسسات، على أساس اعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، وليس مجرد مصدر للتحويلات المالية.
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، انتقدت المجموعة عدم تطرق التصريح الحكومي إلى التطبيع، ودعت إلى تجريمه وإلغاء الاتفاقيات مع إسرائيل، مع التأكيد على دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
وجددت كذلك تمسكها باسترجاع سبتة ومليلية والجزر والثغور التي تعتبرها محتلة، داعية إلى إطلاق برنامج استعجالي لتنمية المناطق الحدودية، وإشراك البرلمان والقوى السياسية في مناقشة القضايا المرتبطة بالوحدة الترابية وتنزيل الحكم الذاتي.
الماء والسيادة الطاقية والتقاعد
في الشق المرتبط بالسيادة الاقتصادية، حذرت المجموعة من استنزاف الفرشات المائية بفعل بعض الزراعات التصديرية المدعومة، معتبرة أن تدبير الموارد المائية ينبغي أن يعطي الأولوية للأمن الغذائي وتوفير مياه الشرب.
كما ربطت تحقيق السيادة الطاقية بإعادة تشغيل مصفاة «سامير»، ودعت إلى تعزيز الإنتاج الوطني لتلبية حاجيات السوق الداخلية وتقليص العجز التجاري.
وفي ملف التقاعد، رفضت أي إصلاح يقوم، بحسب موقفها، على رفع سن التقاعد وتقليص المعاشات دون ضمان تمويل منصف للأنظمة، مؤكدة ضرورة حماية كرامة المتقاعدين والحفاظ على حقوقهم.
وشملت مطالب المجموعة أيضاً تعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، من خلال تحسين الولوجيات وضمان فرص التعليم والشغل والعيش الكريم، فضلاً عن تحقيق المساواة الفعلية والمناصفة في مواقع القرار، استناداً إلى المكتسبات التي راكمتها الحركة النسائية المغربية.
«الكرامة أولاً».. رفض البرنامج ومواصلة المعارضة
و أكدت المجموعة النيابية لتحالف اليسار أنها ستصوت ضد البرنامج الحكومي، معتبرة أنه لم يقدم أجوبة مقنعة عن الاختبارات الخمسة التي طرحتها بشأن التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة الجبائية والمحاسبة.
كما شددت على عزمها مواصلة ممارسة صلاحياتها الرقابية والترافع عن برنامجها السياسي الذي يحمل اسم «الكرامة أولاً»، باعتباره تصوراً بديلاً يقوم، وفق ما ورد في المداخلة، على الإصلاح الدستوري والعدالة الاجتماعية والجبائية، وحماية الحقوق والحريات، وتعزيز استقلالية المؤسسات.
ويضع هذا الموقف حكومة المنصوري أمام انتقادات صادرة عن مكون معارض يطالب بربط الالتزامات الحكومية بأهداف قابلة للقياس وآجال محددة، فيما يظل التحدي الأساسي أمام البرنامج الحكومي هو تحويل التعهدات المعلنة إلى نتائج ملموسة في التشغيل والدخل والخدمات العمومية، وهي المجالات التي ستحدد، خلال الولاية المقبلة، جانباً مهماً من تقييم الأداء الحكومي لدى المواطنين والفاعلين السياسيين.