مغرب ما بعد 23 شتنبر: حين تتصادم صناديق الاقتراع مع حقائق السلطة
بقلم : ابراهيم جديد. صحفي. باحث في العلوم السياسية و العمل البرلماني
بعد أقل من أسبوع، وتحديداً يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب الخامس تحت دستور 2011. ثلاثمائة وخمسة وتسعون مقعداً تتنافس عليها سبعة وعشرون حزباً سياسياً، في استحقاق تشريعي يُنتظر أن يعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد لخمس سنوات قادمة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه على كل باحث في العلوم السياسية والعمل البرلماني ليس من سيفوز، بل ماذا سيتغير فعلاً بعد الفوز؟
فالانتخابات، بأي معيار ديمقراطي، ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتجديد الشرعية وترسيخ التمثيلية. غير أن قراءة متأنية للمشهد المغربي الراهن تكشف عن مفارقة بنيوية: بينما يستعد المغرب لاستحقاق انتخابي يُفترض أن يكون لحظة ذروة الديمقراطية التمثيلية، تتضاعف المؤشرات على أن مراكز القرار الحقيقية قد تكون خارج قبة البرلمان.
اقتصاد ينمو… ويساؤل عن جدواه
لا يمكن الحديث عن مستقبل المغرب دون التوقف عند المشهد الاقتصادي الذي سيُشكل الخلفية المباشرة للاستحقاق المقبل. تُجمع التوقعات الدولية على أن الاقتصاد المغربي يسير بخطى ثابتة، إذ يُتوقع أن يبلغ معدل النمو 4.4% في 2026، مدفوعاً بقطاع زراعي قوي واستثمارات عمومية ضخمة في البنية التحتية. وقد صادقت اللجنة الوطنية للاستثمار في أبريل الماضي على 44 مشروعاً بقيمة إجمالية تناهز 86.36 مليار درهم، يُنتظر أن تخلق نحو 20,500 فرصة عمل. أرقام تُغري بالتفاؤل، لكنها تحمل في طياتها تناقضاً بنيوياً خطيراً.
فالبنك الدولي، رغم تأكيده على أن المغرب يعيش أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من عقد، لم يتردد في التحذير من أن هذا النمو لا ينعكس بالضرورة على سوق الشغل. معدل البطالة لا يزال مرتفعاً، وبطالة الشباب بلغت مستويات مقلقة، في ظل اقتصاد يُوصف بأنه “ينمو دون أن يُشغّل”. المفارقة الأعمق تكمن في أن 94% من المقاولات المغربية صغيرة جداً، ولا تنمو بسرعة كافية لخلق وظائف قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب المتخرج. وهنا يبرز السؤال السياسي: كيف يمكن لاستحقاق انتخابي أن يكون ذا معنى إذا لم يترجم النمو الاقتصادي إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين؟
يُضاف إلى ذلك أن النمو المغربي ليس محصّناً ضد الصدمات الخارجية. فالبنك الدولي حذّر من أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يكلف الاقتصاد المغربي ما يصل إلى 0.8 نقطة مئوية من النمو، بسبب ارتفاع كلفة واردات الطاقة وأسعار الشحن. هذا يعني أن المغرب، رغم قوة مؤشراته الاقتصادية، يظل رهيناً لبيئة إقليمية مضطربة يستثمر فيها خيارات سياسية كبرى.
سفارة بإسرائيل: قرار التطبيع بين المنطق الاستراتيجي والسؤال الأخلاقي
في هذا السياق الإقليمي المضطرب بالذات، يأتي الإعلان المغربي-الإسرائيلي الأخير برفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى سفارات كاملة، ليثير جدلاً يتجاوز حدود السياسة الخارجية ليصبح أحد الملفات الحارقة في الحملة الانتخابية.
الاتفاق الذي أُعلن في 17 شتنبر الجاري، في قمة ثلاثية برعاية أمريكية في نيويورك، قضى بتعيين وتبادل سفراء رسميين، واستكمال اتفاقيتين لحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي بحلول نهاية 2026، إلى جانب توسيع الرحلات الجوية المباشرة لتشمل شركات طيران مغربية. وهذا التطور يأتي بعد نحو ست سنوات من إعادة تفعيل العلاقات في أواخر 2020 تحت مظلة الاتفاقات الإبراهيمية.
لكن الجانب المغربي، رغم إعلان الجانب الإسرائيلي التفصيلي، لم يُصدر تعليقاً رسمياً فورياً يوضح الجدول الزمني لافتتاح السفارات، ما يعكس تحفظاً مقصوداً يعكس حسابات داخلية دقيقة.
من منظور تحليلي، يبدو القرار منطقياً من زاوية استراتيجية: المغرب يسعى إلى ترسيخ مكانته كفاعل إقليمي قادر على إدارة تحالفات متعددة الاتجاهات، والاستفادة من مكاسب اقتصادية محتملة عبر جذب الاستثمارات الإسرائيلية خاصة في مجالات التكنولوجيا والفلاحة والصناعة. غير أن المنطق الاستراتيجي نفسه يفرض التساؤل: هل يمكن فصل هذا القرار عن سياق إقليمي يتسم بممارسات إسرائيلية موضع إدانة واسعة؟ وهل يحق لنا، كباحثين، أن نتجاهل البعد الأخلاقي حين نتحدث عن “المصلحة الوطنية”؟
الحقيقة أن هذا الملف يكتسب أهمية خاصة في سياق الانتخابات المقبلة، لأنه يُستخدم من قِبل أطراف متعددة: الحكومة تعتبره إنجازاً دبلوماسياً، والمعارضة قد تتخذ منه ورقة لتعبئة الرأي العام على أساس الهوية والتضامن مع القضية الفلسطينية. لكن الأهم من المعركة الدعائية هو السؤال البنيوي: من يملك حق تقرير خيارات المغرب الاستراتيجية الكبرى؟ هل هو البرلمان المنتخب، أم دوائر القرار غير المنتخبة؟
حكومة الظل: حين يُصبح “من يحكم” سؤالاً مشروعاً
وهنا نصل إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد السياسي المغربي: مسألة “حكومة الظل”. ليست هذه العبارة مجرد توصيف صحفي عابر، بل أصبحت موضوعاً لدراسة أكاديمية حديثة أنجزها باحثان مغربيان، دكتوران في القانون العام والعلوم السياسية، ونُشرت في دورية علمية دولية بلندن في غشت 2026.
الدراسة، التي حملت عنواناً دالاً هو “المستشار الملكي في المغرب: الثقة الملكية والخبرة الوطنية في خدمة الدولة”، فكّكت أطروحة “حكومة الظل” عبر التمييز بين خمسة مفاهيم أساسية: الصفة القانونية، والاختصاص، والتكليف، والنفوذ، والتحكم. وخلصت إلى أن دستور 2011 لا ينشئ مؤسسة دستورية مستقلة تحمل اسم “مستشار الملك”، ولا يحدد لها اختصاصاً تنفيذياً واضحاً. لكن هذا الاستنتاج القانوني لا ينفي وجود نفوذ واقعي، بل إن الدراسة نفسها تعترف بأن النفوذ يمكن أن يتحول إلى “تحكم” عندما تثبت علاقة منتظمة تسمح بتوجيه سلوك مؤسسة أو فاعل آخر.
وفي المقابل، تذهب جماعة العدل والإحسان إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن “هناك حكومة ظل هي التي تحكم البلاد في الواقع”، وأن الحكومة الرسمية “لا تعدو كونها واجهة”. هذا التوصيف، حتى إن كان مبالغاً فيه من منظور قانوني صارم، يعكس حالة من عدم اليقين لدى قطاعات واسعة من المواطنين حول من يملك حقاً سلطة القرار.
المفارقة الكبرى أن هذا النقاش يتزامن مع استحقاق انتخابي يُفترض أن يكون لحظة تجديد الشرعية الديمقراطية. فإذا كانت الصناديق تُنتج حكومة يُقال إنها “واجهة”، فما الجدوى الحقيقية من المشاركة الانتخابية؟ هذا السؤال ليس مجرد سؤال أكاديمي، بل هو سؤال سياسي يلامس جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
برلمان متوارث: حين يُعيد الانتحاب إنتاج نفسه
ثمّة وجه آخر للمشكلة يتعلق بطبيعة البرلمان نفسه الذي يُنتخب. ففي الانتخابات التشريعية الحالية، يتكرر نمط “التوريث النيابي” بوتيرة متصاعدة: برلمانيون يدفعون بأبنائهم أو زوجاتهم أو حتى أصهارهم للترشح في مواقعهم. في الولاية المنتهية (2021-2026)، فاز البرلماني محمد لحموش بمقعد برلماني عبر حزب “الحركة الشعبية”، وجلست إلى جانبه ابنته سكينة التي عُرفت بكونها أصغر برلمانية في المجلس، عبر اللائحة الجهوية لجهة الرباط.
هذه الظاهرة ليست مجرد حالة فردية، بل أصبحت آلية بنيوية لإعادة إنتاج النخب داخل البرلمان. أستاذ العلوم السياسية عبد المنعم لزعر يرى أن “تغول العائلات السياسية في المغرب يعني بأن المجتمع والدولة فشلا في تبيئة قيم ومؤسسات الديمقراطية”، معتبراً أن هذه الظاهرة تسهم في “عرقلة المسلسل الديمقراطي والحد من قيم التعددية والمنافسة والشفافية”.
المشكلة ليست في حق أي مواطن، بمن فيهم أبناء البرلمانيين، في الترشح والانتخاب. المشكلة تكمن في استغلال النفوذ الحزبي لتمكين الأقارب من التزكيات والمواقع، وهو ما يحوّل بعض الأحزاب إلى ما يشبه “الملكيات العائلية”. وعندما يُصبح التوريث السياسي قاعدة بدل أن يكون استثناءً، فإن البرلمان يفقد قدرته على التجديد والتمثيل الحقيقي لمكونات المجتمع.
وبينما يُنتظر أن تنعقد انتخابات 23 شتنبر في سياق جديد، أعلنت المحكمة الدستورية عن شغور 15 مقعداً بمجلسي البرلمان، منها 14 مقعداً بمجلس النواب، قبل أشهر قليلة من الموعد الانتخابي. هذا التطور يُضاف إلى مشهد سياسي يطبعه عدم الاستقرار، ويطرح تساؤلات إضافية حول مدى استعداد المؤسسة التشريعية لمواكبة التغيير.
نحو فهم أكثر واقعية لمستقبل المغرب
ما يجمع بين هذه الملفات — الاقتصاد، السفارة بإسرائيل، حكومة الظل، البرلمان المتوارث — ليس مجرد تزامن زمني مع الاستحقاق الانتخابي، بل هو انتماؤها جميعاً إلى سؤال واحد أعمق: هل المغرب في طريقه إلى نموذج ديمقراطي حقيقي، أم إلى إعادة إنتاج بنيوية لآليات السلطة القديمة؟
الجواب ليس بسيطاً، ولا يمكن أن يكون. فالتقدم الاقتصادي حقيقي لكن غير كافٍ؛ والانفتاح الدبلوماسي جريء لكنه يحتاج إلى مساءلة ديمقراطية؛ والبرلمان موجود لكنه يفتقر إلى الاستقلالية الحقيقية؛ والحكومة شكلية لكن مراكز القرار غير معلومة بدقة.
ما يحتاجه المغرب في المرحلة المقبلة ليس مجرد انتخابات نزيهة وشفافة — وهذا مطلب ضروري — بل نقاشاً وطنياً موسعاً حول طبيعة النموذج السياسي الذي نريد. نقاش يشارك فيه البرلمانيون والباحثون والمجتمع المدني، لا لكي يُقرر من يحكم، بل لكي يُحدد كيف يُحكم. فالمستقبل، في نهاية المطاف، ليس ما سيأتي، بل ما نبنيه اليوم بأدواتنا الديمقراطية — إن كانت حقيقية.