تنازع المصالح في المغرب: من التشريع في عهد بن كيران إلى سلاح المعارضة في مواجهة أخنوش
بقلم : عبد العزيز يلحسن باحث في العلوم السياسية
لم تعد قضية تنازع المصالح في المغرب مجرد مسألة قانونية أو تقنية مرتبطة بأخلاقيات تدبير الشأن العام، بل أصبحت في السنوات الأخيرة إحدى القضايا الأكثر حضوراً في السجال السياسي، وخصوصاً في خطاب المعارضة، وخصوصا من قبل حزب العدالة والتنمية، وقد تصاعد هذا النقاش مع إثارة حزب العدالة والتنمية مسألة مشاركة شركات مرتبطة برئيس الحكومة عزيز أخنوش في مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، مقدماً القضية باعتبارها نموذجاً لما يسميه في خطابه السياسي «تضارب المصالح».
غير أن استحضار هذه القضية يقتضي العودة قليلاً إلى الوراء، ليس بهدف الدفاع عن رئيس الحكومة أو مهاجمته، وإنما لطرح سؤال يبدو مشروعاً من الناحية السياسية والقانونية:
كيف تعامل حزب العدالة والتنمية مع مسألة تنازع المصالح عندما كان يقود الحكومة، وكيف يتعامل معها اليوم وهو في موقع المعارضة؟
فالمفارقة أن الإطار القانوني الذي ينظم عمل الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، والذي يتضمن مقتضيات ذات صلة بتنازع المصالح، أُقر في عهد حكومة عبد الإله ابن كيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة آنذاك، في إطار تفعيل مضامين دستور 2011
ومن هنا تبدأ المساءلة الموضوعية.
أولاً: تنازع المصالح في الدستور والقانون
أحدث دستور 2011 تحولاً مهماً في البناء الدستوري للمؤسسة الحكومية، إذ نص الفصل 87 على أن الحكومة تتألف من رئيس الحكومة والوزراء، وأن القانون التنظيمي يحدد قواعد تنظيمها وتسيير أشغالها ووضعية أعضائها. كما نص الفصل 89 على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وهو ما كرس مكانتها الدستورية باعتبارها مؤسسة قائمة بذاتها داخل هندسة السلطة التنفيذية.
وفي هذا السياق جاء القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها.
وهنا تكمن إحدى أهم الوقائع التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش السياسي الحالي: فقد أودعت الحكومة مشروع هذا القانون بمجلس النواب بتاريخ 24 أكتوبر 2013، وصادق عليه مجلس النواب في 5 فبراير 2014، ثم مجلس المستشارين في 30 ديسمبر 2014، قبل أن تتم المصادقة النهائية عليه في مجلس النواب في 9 فبراير 2015. وقد أكدت المحكمة الدستورية هذه المراحل في قرارها المتعلق بالقانون.
ثم صدر الظهير الشريف رقم 1.15.33 بتاريخ 19 مارس 2015 بتنفيذ القانون التنظيمي، ووقعه بالعطف رئيس الحكومة آنذاك عبد الإله بن كيران.
وبذلك فإننا نتحدث عن قانون جاء في مرحلة سياسية بالغة الحساسية كان فيها حزب العدالة والتنمية يقود أول حكومة بعد دستورجديد وجد متقدم في مقتضياته وهندسته للسلط الثلاث، واستقلال كل واحدة عن الأخرى وفي مقدمتها مؤسسة الحكومة.
والأهم أن المادة الأولى من القانون التنظيمي 065.13 تحدد من بين أهدافه تنظيم الوضع القانوني لأعضاء الحكومة، بما في ذلك حالات التنافي وقواعد الحد من الجمع بين المناصب.
أما المرجعية الدستورية، فهي أكثر وضوحاً؛ إذ ينص الفصل 36 من دستور 2011 على معاقبة المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، كما يلزم السلطات العمومية بالوقاية من الانحرافات المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها.
إذن، تنازع المصالح ليس مفهوماً طارئاً أفرزته حكومة أخنوش، ولا شعاراً ابتدعته المعارضة بعد انتخابات 2021؛ إنه مبدأ دستوري وقانوني سابق على الحكومة الحالية.
وهنا تبدأ المفارقة السياسية.
ثانياً: من وضع القاعدة إلى مساءلة من يطبقها
من حق حزب العدالة والتنمية، باعتباره حزباً معارضاً، أن ينتقد الحكومة وأن يطالب بتشديد قواعد الشفافية والحكامة وأن يثير كل حالة يعتقد أنها تطرح شبهة تنازع مصالح.
بل إن المعارضة القوية تحتاج إلى القيام بهذا الدور.
لكن من حق الرأي العام، في المقابل، أن يسأل الحزب نفسه:
ماذا فعل عندما كان في موقع الحكومة؟
فالقانون التنظيمي 065.13 لم يأت بعد مغادرة العدالة والتنمية للحكومة، ولم تضعه حكومة أخنوش؛ بل كان مشروعه قد أودع في البرلمان سنة 2013، أي خلال حكومة ابن كيران، وانتهى إلى قانون نافذ سنة 2015.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن العدالة والتنمية فقد حقه في انتقاد القانون أو المطالبة بتعديله. فالتشريع ليس نصاً مقدساً، ومن حق أي حزب أن يكتشف في الممارسة أن بعض مقتضياته تحتاج إلى مراجعة أو تطوير.
لكن المسؤولية السياسية تقتضي أيضاً أن يعترف الفاعل السياسي بنصيبه من مسؤولية بناء القواعد التي يحاكم بها الآخرين اليوم.
فإذا كان القانون غير كافٍ، فالسؤال الطبيعي هو: لماذا لم يتم استكماله أو تعديله عندما كان الحزب يقود الحكومة ولولايتين متتاليتين؟
أما إذا كان القانون كافياً، فإن السؤال يصبح مختلفاً: هل المشكلة في القانون أم في تطبيقه؟
وهذا هو الفارق بين النقد التشريعي والتوظيف السياسي للقانون.
ثالثاً: من «تنازع المصالح» إلى «تضارب المصالح».
من المفيد هنا التمييز بين المصطلحين
«تنازع المصالح» هو التعبير الذي استعمله الدستور المغربي في الفصل 36، وهو الأقرب إلى اللغة القانونية.
أما «تضارب المصالح» فقد أصبح أكثر انتشاراً في الخطاب السياسي والإعلامي، لما يحمله من قوة إيحائية وسياسية.
ولذلك فإن استعمال حزب العدالة والتنمية لتعبير «تضارب المصالح» في مواجهة حكومة أخنوش ينبغي أن يقرأ في مستويين: مستوى قانوني، يتطلب إثبات عناصر المخالفة؛ ومستوى سياسي، يتعلق بصورة العلاقة بين المال والسلطة وبمدى قدرة المسؤول العمومي على الفصل بين موقعه السياسي ومصالحه الاقتصادية.
وهنا ينبغي الحذر من القفز من وجود مصلحة اقتصادية إلى ثبوت مخالفة قانونية.
فهما أمران مختلفان.
رابعاً: محطة تحلية مياه الدار البيضاء… أين تبدأ المسؤولية؟
أثارت محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء جدلاً سياسياً واسعاً، بعد دخول شركتي Green of Africa وAfriquia Gaz، المرتبطتين بمجموعة عزيز أخنوش، في التحالف الذي تقوده شركة Acciona الإسبانية لإنجاز المشروع.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن تركيبة التحالف في المشروع أصبحت: 50% لـAcciona، و45% لـGreen of Africa، و5% لـAfriquia Gaz. كما أعلنت الأطراف في مايو 2025 إتمام اتفاق التمويل النهائي للمشروع بكلفة تناهز 6.5 مليارات درهم.
وقد اعتبر مسؤولون وبرلمانيون من حزب العدالة والتنمية أن هذه الوضعية تثير شبهة «تضارب المصالح»، في حين دافع الطرف الحكومي عن شفافية العملية، وقال رئيس الحكومة عزيز أخنوش في 2025 إن الصفقة تمت في إطار واضح وشفاف.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش أكثر دقة.
هل مجرد مشاركة شركات مرتبطة برئيس الحكومة في تحالف فائز بمشروع عمومي تثبت قانوناً وجود تنازع مصالح؟
الجواب العلمي هو: ليس بمجرد
إثبات مشاركة شركات مرتبطة برئيس الحكومة يمكن إثبات المخالفة؛ بل يتطلب الأمر فحصاً للوقائع والإجراءات والاختصاصات والعلاقات القانونية والقرارات التي اتخذتها الجهات المعنية، ومعرفة ما إذا كان رئيس الحكومة قد تدخل شخصياً أو مؤسساتياً في العملية، وما إذا كانت الإجراءات المتعلقة بالصفقة قد احترمت قواعد المنافسة والشفافية، وما إذا كانت هناك آليات فعلية تحول دون تأثير المصلحة الخاصة في القرار العمومي.
أما سياسياً، فالمسألة أكثر حساسية.
فحتى إذا لم تثبت مخالفة قانونية، فإن مجرد تقاطع الموقع السياسي الأعلى في الحكومة مع مصالح اقتصادية في مشروع عمومي استراتيجي يمكن أن يطرح سؤالاً مشروعاً حول تضارب المصالح بالمعنى الواسع للحكامة والأخلاق السياسية.
وهنا ينبغي ألا يكون المعيار هو الحد الأدنى للقانون فقط، بل أيضاً الحد الأقصى الممكن من الشفافية والثقة العمومية.
خامساً: هل تغير القانون أم تغيرت المواقع؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إثارة في القضية برمتها.
ففي مرحلة 2011–2021 كان حزب العدالة والتنمية يقود الحكومة، وكان التجمع الوطني للأحرار جزءاً من المشهد الحكومي في فترات مختلفة، قبل أن يصبح عزيز أخنوش رئيساً للحكومة بعد انتخابات 2021.
ثم حدث التحول السياسي الكبير
في انتخابات ، 2021 انتقل حزب العدالة والتنمية من 125 مقعداً في انتخابات 2016 إلى 13 مقعداً فقط، بينما تصدر التجمع الوطني للأحرار الانتخابات بـ102 مقعد.
وهكذا انتقل العدالة والتنمية من موقع قيادة الحكومة إلى المعارضة، وانتقل التجمع الوطني للأحرار من موقع المشاركة الحكومية إلى قيادة الحكومة.
هل يمكن أن يكون هذا التحول قد أثر في طريقة قراءة الحزب لقضايا المال والسلطة وتنازع المصالح؟
لا يمكن الجزم بذلك باعتباره حقيقة، لكنه سؤال سياسي مشروع للدراسة.
فالخطاب السياسي كثيراً ما يتأثر بموقع الفاعل: ما يعتبره الحزب ضرورة للحكامة عندما يكون في المعارضة قد يصطدم، عندما يصل إلى قيادة ااحكومة، بتعقيدات الممارسة وإكراهاتها.
لكن هذا لا يعني أن المعارضة الحالية غير محقة في إثارة القضية؛ بل يعني أن المعيار الذي تستخدمه يجب أن يطبق أيضاً على تجربتها السابقة.
سادساً: «عفا الله عما سلف»… الذاكرة السياسية لا تموت
تزداد المسألة تعقيداً عندما نستحضر الموقف الشهير لعبد الإله بن كيران من ملفات الفساد السابقة.
ففي حوار مع قناة الجزيرة سنة 2012، دافع ابن كيران عن فلسفة «عفا الله عما سلف»، موضحاً أنه لا يريد الانشغال بملاحقة ما مضى، وأن الأولوية بالنسبة إليه هي التقدم إلى الأمام.
“إيغود” لمحترف أكادير للفنون تتنافس على الجائزة الكبرى لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول هذه العبارة إلى حكم قضائي لم يصدر.
فـ«عفا الله عما سلف» كانت موقفاً سياسياً في سياق محدد، وليست قراراً قانونياً بإلغاء المسؤولية الجنائية عن أشخاص بعينهم.
ومع ذلك، فإن لها قيمة كبيرة في تحليل الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية اليوم، لأنها تسمح بطرح سؤال مشروع:
هل يمكن لحزب جعل محاربة الفساد والريع وتنازع المصالح أحد محاور خطابه المعارض أن يتجاهل مواقفه عندما كان يقود الحكومة؟
والجواب الموضوعي ليس بالإدانة ولا بالتبرئة، وإنما بالمقارنة.
سابعاً: لا حصانة سياسية لأي طرف
إذا كان من حق المعارضة أن تسائل رئيس الحكومة عن علاقته بالمصالح الاقتصادية الخاصة، فمن حق المجتمع أيضاً أن يسائل المعارضة عن تجربتها السابقة.
وبالمقابل، إذا كان من غير المنصف اتهام عزيز أخنوش بمجرد وجود شركات مرتبطة به في تحالف نائل لمشروع دون إثبات المخالفة، فمن غير المنصف أيضاً إعفاء الحكومة من تقديم كل المعطيات التي تسمح للرأي العام بفهم طبيعة الصفقة، ومسارها، ومعايير اختيار التحالف، والضمانات التي تحول دون تأثير المصالح الخاصة في القرار العمومي.
وهنا تظهر قيمة المؤسسات.
فالحل ليس في المزايدة السياسية، ولا في إطلاق الاتهامات، ولا في الاكتفاء بالنفي السياسي.
الحل في أن تكون هناك قواعد واضحة، وتصريحات دقيقة للمصالح، وآليات فعالة للوقاية من تنازع المصالح، ورقابة مستقلة، وشفافية في الصفقات العمومية، وإمكانية حقيقية للمساءلة.
فالدستور نفسه لم يكتفِ بالإعلان عن مبدأ تجريم المخالفات المتعلقة بتنازع المصالح، وإنما ربط ذلك أيضاً بالوقاية من الانحرافات المرتبطة بإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها.
خاتمة: من قاعدة للحكامة إلى سلاح في المعركة الانتخابية؟
إن قضية تنازع المصالح في المغرب تستحق أن تُناقش بعيداً عن الاصطفاف الحزبي.
فالمشكلة لا تكمن في أن حزباً معارضاً يوجه انتقادات إلى رئيس الحكومة؛ فهذا جزء طبيعي من العمل الديمقراطي.
والمشكلة كذلك ليست في أن رئيس الحكومة أو حزبه يدافع عن سلامة الإجراءات؛ فهذا حق مشروع.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المعيار القانوني إلى معيار انتقائي: يُستخدم لتقييم الخصم، بينما يُنسى عندما يكون الفاعل السياسي نفسه في موقع المسؤولية.
لقد ساهمت حكومة عبد الإله بن كيران في إنتاج الإطار القانوني الذي ينظم عمل الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، بما في ذلك المقتضيات المرتبطة بتنازع المصالح.
واليوم، يجعل حزب العدالة والتنمية من «تضارب المصالح» إحدى أدوات مواجهته السياسية مع حكومة عزيز أخنوش، خصوصاً في قضية محطة تحلية مياه الدار البيضاء.
ومن حقه أن يفعل ذلك.
لكن من حق الرأي العام أيضاً أن يطرح عليه السؤال نفسه الذي يطرحه على الحكومة الحالية:
هل كان المعيار نفسه حاضراً عندما كان العدالة والتنمية يترأس الحكومة؟
وفي المقابل، فإن مساءلة أخنوش لا ينبغي أن تتوقف عند السؤال: «هل خالف القانون؟»، بل يجب أن تمتد إلى سؤال الحكامة الأوسع:
هل تكفي الشرعية القانونية الشكلية عندما يتعلق الأمر بمسؤول سياسي كبير تتقاطع وظيفته العامة مع مصالح اقتصادية خاصة؟
بين السؤالين تتحدد قيمة النقاش.
فإذا كان تنازع المصالح مبدأً دستورياً وقانونياً، فإنه ينبغي أن يكون قاعدة ثابتة لا تتغير بتغير مواقع الأحزاب؛ أما إذا أصبح «تضارب المصالح» مجرد شعار انتخابي يستعمل عندما يكون الحزب في المعارضة، فإن القضية تفقد بعدها الإصلاحي وتتحول إلى أداة من أدوات الصراع السياسي.
ولذلك فإن المعيار الحقيقي ليس أن نسأل: من يتهم من؟
بل:
هل يستطيع الفاعل السياسي المغربي أن يقبل تطبيق المعيار نفسه على نفسه وعلى خصمه، عندما يكون في الحكومة وعندما يكون في المعارضة؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لجدية خطاب الحكامة والنزاهة ومحاربة الريع والفساد.
وهو أيضاً الاختبار الحقيقي لما إذا كان تنازع المصالح قاعدةً للحكامة، أم مجرد سلاح في المعركة الانتخابية.
هناك علاقة جدلية بين القانون والأخلاق؛ لما يتسع مجال القوانين يضيق مجال الأخلاق والعكس صحيح. ولابد من التمييز بين الشرعية والمشروعية عند تناولنا لمبدأ تنازع المصالح عند الفاعل العمومي .