«المصعد».. حين يتحول المكان الضيق إلى مرآة للنفس البشرية
غزلان الورزازي
من فضاء ضيق ومغلق إلى عالم رحب بالأسئلة الإنسانية، تنطلق مسرحية «المصعد» للمخرج أمين ناسور، التي قدمت عرضها الأول بقاعة باحنيني في الرباط، في تجربة مسرحية تراهن على تحويل موقف عابر إلى رحلة عميقة في النفس البشرية.
وتدور أحداث العمل حول أربعة أشخاص غرباء يجدون أنفسهم عالقين داخل مصعد بعد توقفه بشكل مفاجئ، قبل أن يتحول الانتظار إلى مساحة لكشف القصص والأسرار والرغبات، وإعادة اكتشاف الذات والآخر.
العرض الأول احتضنته قاعة باحنيني يوم 6 شتنبر 2026، فيما يشارك في التشخيص كل من الزبير هلال، وأمين بلمعزة، ومحمد حميمصة، وعثمان اليحياوين، بينما تولى أمين ناسور الإخراج، وكتب النص الزبير هلال.
المصعد.. أكثر من مجرد مكان
لا تقدم المسرحية المصعد باعتباره مجرد وسيلة للانتقال بين الطوابق، بل تجعله عنصراً أساسياً في بناء الحكاية والصراع الدرامي.
فحين يتوقف المصعد، تتوقف معه حركة الشخصيات، وتجد نفسها أمام وضع لم تختره، ومساحة لا تسمح بالابتعاد أو الهروب. ومن هنا يبدأ الاحتكاك بين أربعة أشخاص يحمل كل واحد منهم عالمه الخاص، لتتحول المساحة المغلقة إلى ما يشبه عالماً مصغراً تختبر داخله العلاقات الإنسانية.
وتقوم الفكرة الدرامية على أن الظروف الاستثنائية قد تدفع الإنسان إلى التخلي عن الأقنعة التي يرتديها في حياته اليومية، وتضعه وجهاً لوجه أمام ذاته وأمام الآخرين.
رؤية إخراجية تجمع المسرح بالفنون البصرية
واختار المخرج أمين ناسور الاشتغال على العمل برؤية فنية تمزج بين الأداء المسرحي وعدد من التقنيات الحديثة، من بينها الإسقاط الضوئي «Mapping» والموسيقى وفن الأداء، بما يمنح الفضاء الركحي أبعاداً بصرية إضافية.
ويتعامل العرض مع محدودية المكان باعتبارها تحدياً جمالياً، إذ يصبح ضيق الفضاء جزءاً من التجربة وليس عائقاً أمامها، بينما تتحول حركة الأجساد ونظرات الشخصيات وتفاعلها إلى أدوات أساسية لبناء التوتر الدرامي.
من عطل تقني إلى أسئلة عن الإنسان
وراء الحكاية البسيطة لأربعة أشخاص عالقين داخل مصعد، تفتح المسرحية الباب أمام مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالإنسان، وطريقة تعامله مع الخوف والانتظار والآخر عندما يجد نفسه محاصراً في ظرف لم يكن مستعداً له.
ويحمل اختيار المصعد دلالة تتجاوز وظيفته اليومية، فهو فضاء يرتبط عادة بالصعود والنزول والحركة، لكن توقفه المفاجئ يقلب هذه الوظيفة رأساً على عقب، ويضع الشخصيات في حالة من التعليق بين وجهة لم تبلغها بعد وماضٍ لا تستطيع العودة إليه بسهولة.
المسرح مرآة للمجتمع
ويرى أمين ناسور أن المسرح يظل مرآة للمجتمع ومقياساً لنبضه، سواء تعلق الأمر بعمل كوميدي أو درامي أو تراجيدي، لأن جوهره في النهاية هو الإنسان.
وبذلك، تبدو «المصعد» تجربة تتجاوز حكاية أربعة أشخاص احتجزهم عطل مفاجئ، لتضع الجمهور أمام سؤال أعمق: ماذا يحدث للإنسان عندما تتوقف الحركة من حوله، ولا يبقى أمامه سوى مواجهة نفسه والآخر؟
إنها مسرحية تجعل من المكان الضيق مساحة واسعة للتأمل، ومن لحظة انتظار عابرة مدخلاً إلى أسئلة إنسانية مفتوحة على أكثر من قراءة.