الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب يفتح النار على حصيلة حكومة 2021-2026.. بطالة وغلاء وأزمة ثقة ويقترح «إنقاذا اجتماعيا»
هيام بحراوي
وضع الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب حصيلة الولاية الحكومية 2021-2026 تحت مجهر نقدي شديد اللهجة، معتبراً أن المغرب عاش خلال السنوات الخمس الماضية أزمة اجتماعية واقتصادية متعددة الأبعاد، عنوانها، بحسب المذكرة، ارتفاع البطالة والغلاء، تراجع جودة الخدمات العمومية، تعثر الحوار الاجتماعي، وتنامي مظاهر الريع وتضارب المصالح.
وفي مذكرة أعدها الاتحاد خلال غشت 2026، يرى التنظيم النقابي أن الحكومة لم تنجح، في تقديره، في ترجمة شعار «الدولة الاجتماعية» إلى واقع ملموس، معتبراً أن المقاربة المحاسباتية والاختيارات الاقتصادية الليبرالية غلبت على اعتبارات العدالة الاجتماعية والتضامن الوطني.
ويؤكد الاتحاد، في المقابل، أن تشخيصه لا يستهدف تبخيس ما تحقق أو تكريس خطاب اليأس، وإنما يهدف إلى التنبيه إلى الاختلالات واقتراح بدائل عملية أمام الحكومة المقبلة.
الحريات النقابية.. «تضييق» وإضعاف للحوار الاجتماعي
يضع الاتحاد الحريات النقابية في صدارة انتقاداته، معتبراً أن الولاية الحكومية اتسمت بما يصفه بـ«التضييق على العمل النقابي والحق في الإضراب».
وينتقد التنظيم النقابي القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، معتبراً أن الصيغة التي دافعت عنها الحكومة أثقلت ممارسة هذا الحق بقيود وإجراءات ومساطر وعقوبات اعتبرها الاتحاد مقيدة للفعل النقابي.
كما يتحدث عن استمرار ما يسميه التضييق على المناضلين والمندوبين النقابيين داخل عدد من المقاولات والإدارات، من خلال النقل والعزل والاقتطاعات من أجور المضربين، وهي ممارسات يقدمها الاتحاد باعتبارها جزءاً من مسار أوسع لإضعاف العمل النقابي.
أما الحوار الاجتماعي، فيرى الاتحاد أنه فقد، خلال هذه الولاية، جزءاً من وظيفته التعاقدية وتحول إلى آلية يغلب عليها، بحسب تعبير المذكرة، الطابع البروتوكولي والإعلامي.
إقصاء الاتحاد.. وانتقادات للحضور النقابي داخل المؤسسات
وتتهم المذكرة الحكومة بإقصاء الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب من جولات الحوار الاجتماعي ومن عدد من المؤسسات والمجالس ذات الصلة بالشغيلة.
ويعتبر الاتحاد أن هذا الوضع يمس بمبدأ التعددية النقابية، ويحرم شريحة من الأجراء من إيصال صوتها إلى المؤسسات الدستورية والهيئات ذات الصلة بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية.
كما يطالب بإعادة النظر في منظومة التمثيلية النقابية والانتخابات المهنية، معتبراً أن ارتفاع نسبة اللامنتمين في انتخابات مندوبي الأجراء والموظفين يطرح، من وجهة نظره، سؤالاً حول فعالية التأطير النقابي وآليات التمثيلية المهنية.
تضارب المصالح والريع.. ملف سياسي في صلب المذكرة
خصص الاتحاد حيزاً مهماً لانتقاد ما يصفه بـ«استفحال تضارب المصالح وتكريس اقتصاد الريع»، وتتضمن المذكرة اتهامات وشبهات مرتبطة بقطاعات استراتيجية، من بينها تحلية مياه البحر وتوزيع المحروقات واستيراد الأدوية، إضافة إلى انتقادات للسياسات الفلاحية وطريقة توزيع الدعم العمومي.
ويعتبر الاتحاد أن استمرار مظاهر الريع، في تقديره، يتناقض مع مبادئ المنافسة والشفافية والحكامة الجيدة، داعياً إلى تسريع إصدار تشريعات تجرم تضارب المصالح وتعيد إدراج مقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع.
كما يطالب بإحداث آلية مستقلة لمراقبة الصفقات العمومية في القطاعات الحساسة، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل أكثر صرامة.
البطالة.. الرقم الذي يضع الحكومة أمام اختبار صعب
اقتصادياً، تقدم المذكرة سوق الشغل باعتباره أحد أبرز مكامن الاختلال خلال الولاية الحكومية.وتستند إلى معطيات تنسبها إلى المندوبية السامية للتخطيط، تشير إلى بلوغ معدل المشاركة في القوى العاملة 41.8 في المائة، مقابل 17.5 في المائة للنساء و66.4 في المائة للرجال.
كما ترصد المذكرة ارتفاع معدل بطالة الشباب من 32.7 في المائة سنة 2022 إلى 37.2 في المائة سنة 2025، مع الإشارة إلى أن معدل البطالة المركبة أو الاستغلال الناقص للعمالة لدى الشباب بلغ، وفق الوثيقة، 45.3 في المائة.
ويضع الاتحاد ملف الشباب خارج التعليم والتشغيل والتكوين، المعروف اختصاراً بـNEET، في قلب الأزمة، مقدراً عدد هذه الفئة بنحو 3 ملايين شاب وشابة.
ومن وجهة نظر الاتحاد، فإن استمرار هذا الوضع لا يمثل فقط مشكلة اقتصادية، بل يحمل تداعيات اجتماعية وسياسية على مستقبل البلاد.
«أوراش» و«فرصة».. حلول مؤقتة في مواجهة أزمة بنيوية
ينتقد الاتحاد برامج التشغيل الحكومية، خصوصاً «أوراش» و«فرصة»، معتبراً أنها لم تتمكن من الانتقال من التشغيل المؤقت إلى الإدماج المهني المستدام.
وتقول المذكرة إن العقود القصيرة المدى لا تعالج جذور البطالة، وإن جزءاً من المستفيدين يعودون إلى وضعية البطالة بعد انتهاء البرامج.
وفي مقابل ذلك، يقترح الاتحاد إطلاق خطة وطنية طارئة لتشغيل الشباب، تربط التكوين مباشرة بحاجيات سوق الشغل، خصوصاً في المجالات الرقمية والطاقات المتجددة والصناعات ذات التكنولوجيا العالية.
وينتقد الاتحاد اعتماد جزء من الاستراتيجية الصناعية على أنشطة التجميع والتركيب، خصوصاً صناعة أسلاك السيارات، معتبراً أن هذا النموذج لا يضمن، في نظره، قيمة مضافة وطنية كافية ولا يوفر حماية مستدامة لمناصب الشغل.
وتحذر المذكرة من تأثير الأتمتة وتغير خريطة التنافسية العالمية على هذه الصناعات، كما تنتقد ظروف العمل التي تقول إنها تعرف هشاشة في بعض الوحدات.
ويقترح الاتحاد الانتقال نحو تصنيع وطني أكثر عمقاً، خاصة في الصناعات الغذائية التحويلية والطاقات المتجددة والتعدين والصناعات الدوائية والكيماوية.
الغلاء.. «اقتطاع خفي» من أجور المغاربة
القدرة الشرائية تشكل محوراً مركزياً آخر في المذكرة، حيث يتحدث الاتحاد عن ارتفاع تراكمي في أسعار المواد الاستهلاكية بأكثر من 17 في المائة منذ 2021، مع تأثير أكبر، وفق تقديره، على السلة الغذائية.
وتورد الوثيقة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء والخضروات والأسماك والبيض، معتبرة أن هذه الزيادات أضعفت بشكل مباشر ميزانيات الأسر ذات الدخل المحدود والطبقة الوسطى.
ويصف الاتحاد أثر التضخم على الأجور بأنه «اقتطاع خفي»، لأن الأجر الاسمي قد يبقى مستقراً بينما تتراجع قدرته الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار.
كما ينتقد تقسيط الزيادات الأجرية التي أفرزها الحوار الاجتماعي، معتبراً أنها فقدت جزءاً من أثرها بفعل استمرار ارتفاع تكاليف السكن والتعليم والصحة وباقي المصاريف الأساسية.
وتنتقد المذكرة بشدة السياسة الفلاحية، خصوصاً الزراعات الموجهة للتصدير والمستهلكة للمياه، معتبرة أن استمرارها في ظل الإجهاد المائي يطرح أسئلة حول أولويات السياسة الفلاحية الوطنية.
ويطالب الاتحاد بإعادة ترتيب الأولويات لصالح السيادة الغذائية والأمن المائي، مع دعم الفلاحين الصغار والمتوسطين وتنظيم أسواق الجملة وسلاسل التوزيع للحد من المضاربة.
كما يدعو إلى مراجعة سياسة الصيد البحري، وضمان وصول المنتجات السمكية إلى المستهلك المغربي بأسعار مناسبة.
في المجال الصحي، ترى المذكرة أن القطاع العمومي يعاني من اختلالات بنيوية مرتبطة بالموارد البشرية والتجهيزات والتفاوتات المجالية.
وتشير إلى أن عدد الأطباء الممارسين في القطاع العام لا يتجاوز، وفق معطياتها، حوالي 15,600 طبيب، كما تتحدث عن مغادرة مئات الأطباء سنوياً نحو الخارج.
ويعتبر الاتحاد أن هذه الوضعية تفرض خطة استعجالية لتحسين ظروف العمل والأجور، خصوصاً في المناطق القروية والنائية، إلى جانب رفع الاستثمار العمومي في الصحة وتأهيل المستشفيات وتجهيزها.
وتتحدث المذكرة عن ارتفاع الهدر المدرسي، والاكتظاظ، وتراجع جاذبية المدرسة العمومية، إضافة إلى الاحتقان الذي رافق إصلاح النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية.
ويطالب الاتحاد بخطة عاجلة لمحاربة الهدر المدرسي، ودعم النقل والمطاعم المدرسية، وتقليص الاكتظاظ، وتحسين البنية التحتية، إلى جانب معالجة الملفات المهنية لنساء ورجال التعليم عبر الحوار.
ويرى الاتحاد أن تنزيل ورش الحماية الاجتماعية لم يخلُ من تعقيدات واختلالات، خصوصاً ما يتعلق بالسجل الاجتماعي الموحد والتغطية الصحية والتعويضات.
كما ينتقد الدعم الاجتماعي المباشر، معتبراً أن قيمته لا تتناسب، في تقديره، مع مستوى الغلاء، وأن تمويله بالتزامن مع إصلاح منظومة المقاصة يحد من أثره الاجتماعي.
وفي ملف التقاعد، يرفض الاتحاد أي إصلاح أحادي الجانب يقوم على رفع سن التقاعد أو زيادة الاشتراكات أو تقليص المعاشات، ويدعو إلى إصلاح تشاركي يضمن استدامة الصناديق ويحمي حقوق المتقاعدين.
سبتة و«جيل Z».. الاتحاد يقرأ الاحتقان من بوابة فقدان الأمل
وتمنح المذكرة أهمية سياسية واجتماعية كبيرة لما تصفه بأزمة الثقة لدى الشباب.وتربط بين احتجاجات «جيل Z» وبين ما تعتبره انسداداً في الأفق أمام فئات واسعة من الشباب، كما تقدم أحداث سبتة في يوليوز 2026 باعتبارها، من وجهة نظر الاتحاد، مؤشراً بالغ الدلالة على عمق الإحباط الاجتماعي.
ويعتبر الاتحاد أن المخاطرة بالهجرة الجماعية تعكس، في قراءته، أزمة ثقة في المستقبل، داعياً إلى التعامل مع مطالب الشباب من خلال الحوار والإدماج وفرص الشغل بدل الاقتصار على المقاربة الأمنية.
لا تتوقف المذكرة عند الانتقاد، بل تقدم حزمة واسعة من المقترحات، أبرزها، إطلاق خطة وطنية طارئة لتشغيل الشباب وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد و استكمال ورش الحماية الاجتماعية وإصلاح التأمين الصحي والتقاعد بشكل تشاركي وإعادة بناء المنظومة الصحية العمومية ووقف نزيف هجرة الأطباء والأطر وإصلاح التعليم العمومي ومحاربة الهدر والاكتظاظ وتثمين هيئة التدريس ومراجعة السياسة الفلاحية والمائية بما يضمن الأمن والسيادة الغذائية و إصدار قانون للنقابات وإصلاح قوانين الانتخابات المهنية بما يضمن تمثيلية نقابية حقيقية و تشديد محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وإحداث آليات مستقلة لمراقبة الصفقات العمومية.
خفض الضريبة على الدخل.. وحماية الطبقة الوسطى
ومن بين المقترحات الاجتماعية والاقتصادية التي يقدمها الاتحاد، مراجعة الحد الأدنى للأجور والمعاشات بما يتلاءم مع التضخم وتكلفة المعيشة، وتسريع توحيد الحد الأدنى للأجر بين القطاعات، واعتماد نظام للسلم المتحرك للأجور.
كما يدعو إلى تخفيض الضريبة على الدخل بهدف حماية القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والشغيلة.
و يقدم الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب نفسه باعتباره قوة اقتراحية، وليس فقط قوة احتجاجية، مؤكداً أن هدفه هو الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى بناء بدائل قابلة للتنفيذ.
ويستند الخطاب الختامي للوثيقة إلى ثلاث ركائز: حيوية المجتمع والجيل الصاعد، قدرة المغرب على الابتكار والتكيف مع الأزمات، ووجود حركة نقابية مسؤولة وقادرة على تقديم البدائل.
ويخلص الاتحاد إلى أن تجاوز اختلالات الولاية الحكومية المنتهية يتطلب، في تقديره، إعادة الاعتبار للفاعل الاجتماعي، وتقوية الحوار المؤسساتي، وحماية القدرة الشرائية، وإصلاح الخدمات العمومية، ومحاربة الريع وتضارب المصالح.