من الداخلة إلى ولاية أركنساس: سابقة في تاريخ الدبلوماسية الموازية والترافع الدولي عن قضايا الوطن
بقلم : الحسين أولودي
تفاعلا مع التطورات الإيجابية و الدينامية المتسارعة التي تعرفها قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية لم يعد الترافع عن القضايا الوطنية حكرا على الدبلوماسية الرسمية التقليدية بل أصبح مجالا مفتوحا أمام الفاعلين المدنيين والكفاءات المغربية بالخارج(خاصة الشباب )الذين استطاعوا خلال السنوات الأخيرة بناء مسارات جديدة للتأثير مبنية وقائمة على الدبلوماسية الموازية والتواصل الثقافي، والتقارب الإنساني بين الشعوب في كل بقاع العالم ( وهذه سمة المغاربة يتواجدون في أبعد رقعة جغرافية على هذه البسيطة ).
وفي هذا الإطار تبرز مبادرة التوأمة والصداقة بين مدينة الداخلة المغربية ومدينة باين بلاف بولاية أركنساس الأمريكية كنموذج فريد يعكس التحول العميق في أدوات الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية.
فالقرار الرسمي الصادر عن مجلس مدينة باين بلاف لا يمثل فقط وثيقة رمزية أو مجاملة بروتوكولية، بل يعكس تطورا نوعيا في طبيعة التفاعل الدولي مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها الحل الواقعي والجاد والموثوق لتسوية النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية.
و يكشف هذا القرار حجم التحول الذي باتت تعرفه النخب المحلية الأمريكية في فهمها لحقيقة النزاع( وهذا ما ننادي به دائما وأبدا وهو تقديم الحجج التاريخية والسياسية لأصل النزاع المفتعل ) بعيدا عن الخطابات الدعائية التقليدية التي حاولت لعقود تسويق أطروحات الانفصال والتحريض عليه سواء عبر استهداف الشباب داخل الوطن وخارجه.
وبالرجوع إلى الحديث عن ” السابقة” كما عنونت هذا المقال فأهمية هذه المبادرة تكمن في كونها صادرة عن مؤسسة مدنية محلية أمريكية “مجلس المدينة أو الجماعة الترابية كما عندنا في المغرب ” وهو ما يمنحها بعدا استراتيجيا يتجاوز الإطار الدبلوماسي الرسمي لأن التأثير الحقيقي -كما هو معلوم- داخل الولايات المتحدة لا يبنى فقط عبر المؤسسات الفيدرالية بل كذلك عبر المجالس المحلية، والمنظمات المدنية، والجامعات، وشبكات التأثير المجتمعي بشكل عام ولهذا نشيد بالدور المحوري لفعاليات المجتمع المدني بالمغرب و عملها داخل وخارج الوطن (ولنا في هذا الباب العديد من الهيئات المدنية التي كانت ولا تزال تشتغل بصمت وبتفاني وبصدق من مراكز و مراصد و جمعيات ..)
وفي هذا الإطار يبرز الدور المحوري الذي قام به الشاب المغربي “ميلود باهدي” ابن الجنوب المغربي المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي استطاع عبر عمل تراكمي هادئ وفعال أن يؤسس لجسور التواصل بين المغرب وولاية أركنساس وذلك من خلال حضوره داخل الفضاء المدني والثقافي الأمريكي، وإيمانه بأهمية التقارب بين الشعوب والثقافات.
وللاشارة فقط يشغل “ميلود باهدي” عدة مهام مدنية ومجتمعيةعلى سبيل المثال لا الحصر “مندوب عام للمنتدى الدولي للتعاون المغربي الإفريقي بولاية أركنساس ” ومؤسس شبكة Arkansas Moroccan American Network” كذلك منظم مبادرة Arkansas Peace March وهو صاحب مبادرة اعتماد شهر نونبر شهرا للثقافة المغربية بعاصمة ولاية أركنساس سنة 2024 ثم كان الرئيس السابق لمنظمة West Pine Bluff Rotary Club خلال الفترة 2024/2025 والرئيس السابق للمركز الإسلامي بمدينة باين بلاف إلى غيرها من المهام و الأنشطة المختلفة التي جمعنا فيها حب الوطن.
وتعكس هذه المسارات حجم اندماج الكفاءات المغربية بالخارج داخل المجتمعات الغربية وقدرتها على التحول إلى قوة اقتراح وتأثير حقيقية تخدم المصالح الوطنية وقضايا المملكة المغربية.
إن هذه المبادرات المدنية الهادئة تشكل اليوم امتدادا حقيقيا للدبلوماسية الرسمية المغربية خاصة في ظل تنامي القناعة الدولية بعدالة الموقف المغربي، وتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية و سحب العديد من الدول اعترافها بالكيان الوهمي.
ومن موقعنا داخل المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية ONES نؤمن بأن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق ردود الفعل إلى منطق المبادرة وصناعة التأثير الحقيقي و الإيجابي عبر تنظيم الندوات واللقاءات الدولية، وإعداد الدراسات والتقارير، ورفع التوصيات العملية المتعلقة بالأمن الإقليمي ومواجهة الحملات الدعائية المعادية للمملكة المغربية على مختلف الاصعدة،كما أن التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء وارتباط بعض التنظيمات الانفصالية بشبكات التهريب والتطرف والإرهاب تفرض على المجتمع الدولي إعادة تقييم عدد من الكيانات التي أصبحت تهدد استقرار المنطقة، وفي مقدمتها جبهة البوليساريو التي تحولت في نظر العديد من الباحثين والمتابعين إلى عنصر توتر دائم داخل الفضاء المغاربي والساحلي( منطقة الساحل تشاد بوركنافاسو مالي و النيجر )
لقد أصبحت المعركة اليوم معركة وعي و إعلام وتأثير الصورة و المواقع ، على قدر ليس أقل أهمية من كونها معركة دبلوماسية وسياسية خاصة بعد مرحلة البلاغاتاليومية و الحرب الاعلاميةالتي تعتمدها الجبهة الانفصالية عبر جميع وسائط التواصل.
ولهذا وعلاقة بما سلف ذكره فإن نشر المقالات والتحليلات الرصينة وشرح تعقيدات المنطقة المغاربية والساحل والصحراء الكبرى بلغة علمية وموضوعية، بات ضرورة استراتيجية لمواجهة التضليل الإعلامي والآلة الدعائية المعادية للمغرب.
وبالنسبة لنا كأبناء الجنوب المغربي، وكأبناء المناطق الحدودية التي عاشت تاريخيا تداعيات الصراعات الإقليمية والاعتداءات التي استهدفت أمن المملكة ووحدتها الترابية، فإن الدفاع عن القضية الوطنية ليس مجرد موقف سياسي عابر بل هو امتداد للذاكرة الجماعية وللانتماء الوطني العميق، ولإيمان راسخ بعدالة قضية شكلت عبر التاريخ عنوانا للوحدة والسيادة والاستقرار ولا أحد يستطيع أن ينكر ما تعرض له الأهالي في أقا و فم الحصن ” إيمي أوكادير” أسا و البيرات و طاطا.
إن ما تحقق اليوم من اختراقات دبلوماسية ومدنية داخل الولايات المتحدة وأوروبا وإفريقيا، يؤكد أن المغرب دخل مرحلة جديدة عنوانها العريض الانتقال من الدفاع إلى المبادرة، ومن رد الفعل إلى صناعة التأثير ومن الخطاب التقليدي إلى دبلوماسية المجتمع والمعرفة والترافع الذكي الذي نأمل تحقيقه جميعا كفاعلين كل من موقعه.
وفي الختام فمثل هكذا مبادرات مدنية تعطينا املا في مسار الدينامية الإيجابية المتصاعدة التي يعرفها الملف بكشل عام، كما تبقى مبادرة التوأمة بين الداخلة ومدينة باين بلاف الأمريكية نموذجا ملهما لما يمكن أن تصنعه الكفاءات المغربية بالخارج حين تتسلح بالإيمان والعزيمة والعمل المؤسساتي وخدمة الوطن دون كلل أو انتظار مقابل.
باحث في الجغرافيا السياسية وعضو المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية