شريط الأخبار

سوق “تالمارشيت نالدشيرة” تحت المجهر… من فوضى عارمة إلى ورش للهيكلة وتنظيم التجارة وحماية المهنيين

متابعة: رضوان الصاوي

بعد سنوات طويلة ظل خلالها فضاء “تالمارشيت نالدشيرة” يشكل إحدى النقط السوداء بتراب العمالة، بسبب الفوضى التي كانت تطبع نشاط الباعة المتجولين داخله، عاد هذا السوق ليطرح نفسه اليوم كنموذج لمرحلة انتقالية نحو الهيكلة والتنظيم، في سياق محاولات السلطات المحلية والجماعة الترابية لإعادة ترتيب المجال التجاري وحماية المهنيين والساكنة في آن واحد.

فهذا الفضاء الذي ظل لسنوات يحتضن أنشطة تجارية عشوائية، كان يعكس واقعاً معقداً يعيشه الباعة المتجولون، حيث كانوا يزاولون عملهم في ظروف صعبة تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات والبنيات الأساسية. الاكتظاظ، غياب التنظيم، وانتشار الضوضاء شكلت عناصر ضغط يومي، سواء على الباعة أنفسهم أو على الساكنة المجاورة التي كانت تتأثر بشكل مباشر بالحركية غير المنظمة للسوق.

غير أن التحولات الأخيرة التي شهدها الملف تعكس توجهاً واضحاً نحو معالجة هذا الوضع من زاوية أكثر هيكلة. فقد تم نقل الباعة إلى سوق جديد جرى إعداده بشروط أفضل، في إطار شراكة بين جماعة الدشيرة الجهادية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي ساهمت بتمويل بلغ 3.141.103,20 درهم، بهدف إحداث فضاء تجاري أكثر تنظيماً واستجابة لحاجيات المهنيين.

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لإعادة التوازن بين متطلبات تنظيم المجال الحضري وضرورة حماية مصدر عيش مئات الباعة الذين يشكل النشاط التجاري المتجول موردهم الأساسي. فالسوق الجديد، وفق المعطيات المتوفرة، يوفر بنية أكثر ملاءمة لممارسة التجارة، من حيث النظافة والتنظيم وتحديد أماكن العرض، بما يسمح بإرساء حد أدنى من المهنية داخل هذا القطاع غير المهيكل.

كما يندرج هذا التحول ضمن مقاربة أوسع تسعى إلى الحد من الإزعاج الذي كان يسببه السوق القديم للساكنة المجاورة، خاصة ما يتعلق بالضجيج والازدحام وصعوبة التنقل، وهي الإشكالات التي ظلت لسنوات محور شكايات متكررة.

وفي العمق، يعكس ملف “تالمارشيت نالدشيرة” إحدى الإشكالات البنيوية التي تواجه المدن المغربية، والمتمثلة في كيفية التوفيق بين تنظيم الفضاء الحضري واحتضان الاقتصاد غير المهيكل الذي يشكل مصدر رزق لشريحة واسعة من المواطنين. لذلك فإن نجاح هذه التجربة سيظل رهيناً بمدى قدرة الجهات المشرفة على ضمان استقرار المهنيين داخل الفضاء الجديد، ومواكبتهم بشروط تنظيمية واضحة تحافظ على كرامتهم المهنية وتضمن استمرارية نشاطهم في إطار أكثر تنظيماً.

فالسوق، الذي كان بالأمس نقطة سوداء في المشهد الحضري، يجد نفسه اليوم بفضل مجهودات السلطة الإقليمية لدى عمالة إنزكان أيت ملول و السلطات المحلية بالدشيرة الجهادية أمام فرصة للتحول إلى تجربة تنظيمية قد تعيد رسم العلاقة بين المدينة وتجارها الصغار، في معادلة دقيقة تجمع بين الهيكلة واحترام البعد الاجتماعي والمهني للتجارة الشعبية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.