حملة أمنية لإنهاء الفوضى في شارع غزة بأكادير

متابعة: رضوان الصاوي 

في مدينة أكادير، يبدو أن معركة استرجاع الملك العمومي لم تعد مجرد حملة عادية لرفع بعض العربات أو مطاردة بضعة باعة متجولين، بل تحولت إلى مواجهة يومية مع واقع حضري معقد صنعته سنوات من التساهل والصمت، حتى كاد الشارع في بعض الأحياء يتحول إلى ما يشبه “جمهورية مستقلة” تديرها عربات مجرورة وبضائع مفروشة على الأرصفة.

بحي تيليلا و حي أدرار، أحد الأحياء التي عرفت توسعاً عمرانياً وسكانياً متسارعاً، بسبب تنامي الإقامات السكنية ،كان بدوره مسرحاً لهذه المفارقة الحضرية: شوارع حديثة وأرصفة واسعة، لكنها في كثيراً ما تتحول إلى سوق مفتوح بلا قانون، حيث يختلط المارة بالباعة، وتتنافس السيارات مع العربات اليدوية على نفس المساحة، وكأن المدينة قررت أن تدير ظهرها لقواعد التنظيم الحضري.

في هذا السياق، شنت السلطة المحلية بالملحقة الإدارية لتيليلا، منذ بداية 2023، حملات واسعة لتحرير الملك العمومي بالضبط بشارع غزة بحي تيليلا و ما يسمى سويقة بأدرار، في عمليات ميدانية نتفرقة شاركت في بعضها السلطة الشرطة الإدارية التابعة لجماعة أكادير وعناصر الأمن الوطني إلى جانب القوات المساعدة وأعوان السلطة. وقد قاد هذه العملية السيدة قائد الملحقة الإدارية بالحي المذكور، في تدخل بدا أقرب إلى محاولة استعادة السيطرة على شارع ظل لفترة طويلة تحت رحمة “اقتصاد الرصيف”.

العمليات لم تكن مجرد جولة روتينية، بل حملة فعلية انتهت بحجز عدد من العربات والمعدات التي كانت تحتل الأرصفة وجنبات الطريق، في مشهد يعكس جانباً من الفوضى التي كانت تحكم هذا الفضاء العمومي. عربات لبيع الخضر والفواكه، طاولات خشبية، صناديق بلاستيكية وبضائع مبعثرة، كلها كانت تشكل معالم سوق عشوائي غير معلن، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل الحياة اليومية للحي.

المفارقة أن هذا المشهد لم يكن سراً على أحد. الساكنة كانت ترى الفوضى يومياً، والتجار النظاميون كانوا يشتكون من منافسة غير متكافئة، بينما ظل الشارع يتوسع في احتضان اقتصاد غير مهيكل يجد دائماً طريقه إلى الأرصفة. ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال لماذا يحتل الباعة الشارع، بل لماذا تأخر التدخل كل هذا الوقت.

فاحتلال الملك العمومي في العديد من المدن المغربية لم يعد مجرد ظاهرة عفوية، بل تحول إلى نظام موازٍ للاقتصاد الرسمي، يشتغل خارج الضرائب والقوانين، ويجد في هشاشة الوضع الاجتماعي لبعض الفئات أرضية خصبة للانتشار. وبين من يرى في هؤلاء الباعة ضحايا لواقع اقتصادي صعب، ومن يعتبرهم سبباً في فوضى عمرانية خانقة، يبقى الشارع هو الضحية الأولى.

ما وقع في شارع غزة بتيليلا و حي أدرار أعاد طرح السؤال القديم الجديد: هل نحن أمام حملة عادية لامتصاص غضب الساكنة، أم بداية مسار حقيقي لاسترجاع الفضاء العمومي ؟ لأن التجارب السابقة في عدد من المدن أظهرت أن “الفراشة” غالباً ما ينسحبون ساعات أو أياماً فقط، قبل أن يعودوا إلى نفس الأرصفة بمجرد انتهاء الحملة، بينما اليوم يبدو أن السلطة المحلية جادة و ماضية في تحرير الأرصفة بشكل نهائي…

السلطة المحلية بالملحقة الإدارية بتيليلا تبدو هذه المرة عازمة على فرض نوع من الانضباط في الفضاء الحضري، خصوصاً في الأحياء التي تعرف ضغطاً عمرانياً متزايداً مثل تيليلا. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حجز العربات أو تفريق الباعة، بل في معالجة جذور الظاهرة التي تتغذى من البطالة والهشاشة وغياب بدائل اقتصادية منظمة.

فالمدينة التي تريد شوارع نظيفة ومنظمة مطالبة أيضاً بإيجاد فضاءات بديلة لهؤلاء الباعة، لأن مطاردة الفقر في الشارع دون توفير حلول واقعية قد تتحول ببساطة إلى لعبة كر وفر لا تنتهي. وبين سلطة تسعى لفرض القانون، وباعة يبحثون عن لقمة العيش، يبقى الرهان الأكبر هو إعادة التوازن بين حق المدينة في النظام وحق المواطن في العمل.

في النهاية، ما جرى في تيليلا و أدرار ليس مجرد حملة لتحرير شارع من عربات متجولة، بل مشهد صغير من معركة أكبر تخوضها المدن المغربية مع اقتصاد الظل، معركة يتداخل فيها الاجتماعي بالاقتصادي، والقانوني بالسياسي.

والسؤال الذي يظل معلقاً فوق أرصفة المدينة: هل ستنتصر الدولة و السلطات المحلية في استعادة شوارعها، أم أن “جمهورية الفراشة” ستعود مجدداً بعد انطفاء أضواء الحملة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.