أكادير تحتضن دورة تكوينية وورشة قانونية لتفعيل نظام العقوبات البديلة
متابعة: رضوان الصاوي
في سياق التحولات العميقة التي تعرفها منظومة العدالة الجنائية بالمغرب، احتضنت مدينة أكادير محطة تكوينية لافتة تعكس حجم الرهان المؤسساتي على تحديث آليات العمل القضائي والأمني، وذلك من خلال دورة تكوينية متخصصة نظمتها ولاية أمن أكادير بتنسيق مع النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف، في خطوة تهدف إلى توحيد الرؤية وتعزيز التنسيق في تنزيل مستجدات المسطرة الجنائية على أرض الواقع.
الدورة، التي احتضنها مركز القيادة والتنسيق زوال يوم الخميس 23 أبريل، جاءت في إطار برنامج التكوين المستمر الذي تشرف عليه النيابة العامة خلال السنة الجارية، وركزت بشكل مباشر على واحدة من أكثر القضايا حساسية في العمل القضائي اليومي، وهي الإجراءات المسطرية المرتبطة بمذكرات البحث، وآليات المراقبة القضائية، إضافة إلى تفعيل نظام العقوبات البديلة، وذلك على ضوء المستجدات التي جاء بها القانون رقم 23-03 المعدل لقانون المسطرة الجنائية.
هذا اللقاء لم يكن مجرد تمرين أكاديمي أو عرض نظري لنصوص قانونية، بل شكل فضاءً عملياً لتقاطع الخبرات بين قضاة النيابة العامة ورؤساء فرق الشرطة القضائية ورؤساء الدوائر الأمنية التابعة لولاية أمن أكادير، في مشهد يعكس وعياً متزايداً بضرورة بناء جبهة مؤسساتية موحدة في مواجهة التحديات المتزايدة التي تفرضها الجريمة الحديثة وتعقيدات الإجراءات القانونية.
ولم يقتصر الحضور على القاعة فقط، إذ تم توسيع دائرة الاستفادة عبر تقنية التناظر المرئي، حيث تابع أشغال الدورة عن بعد حوالي 200 ضابط من الشرطة القضائية العاملين بمختلف المناطق الأمنية التابعة لولاية أمن أكادير، في مؤشر واضح على الأهمية الاستراتيجية للمواضيع المطروحة وارتباطها المباشر بالممارسة المهنية اليومية لرجال إنفاذ القانون.
وخلال النقاشات التي رافقت أشغال الدورة، برزت مسألة العقوبات البديلة كأحد أبرز محاور الإصلاح الجنائي الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه، باعتبارها خياراً قانونياً يهدف إلى تجاوز المقاربة التقليدية القائمة على العقوبات السالبة للحرية، والانتقال نحو فلسفة عدالة أكثر مرونة وفعالية، قادرة على تحقيق الردع دون الإغراق في الاكتظاظ السجني الذي يشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه المؤسسات العقابية.
كما شكلت هذه الدورة فرصة لطرح عدد من الإشكالات العملية التي تعترض تنزيل هذه المقتضيات الجديدة، خصوصاً ما يتعلق بآليات تفعيل المراقبة القضائية وضبط مساطر تنفيذ العقوبات البديلة، حيث فتح النقاش الباب أمام تبادل التجارب والخبرات بين القضاة وضباط الشرطة القضائية، في محاولة لبلورة مقاربة عملية تضمن حسن تطبيق النص القانوني وتحقيق الغاية منه.
التفاعل الذي ميز أشغال اللقاء كشف بدوره عن دينامية مهنية متنامية داخل منظومة العدالة الجنائية، حيث لم تخلُ المداخلات من نقاشات دقيقة حول تفاصيل التطبيق الميداني للقانون، وهو ما يعكس إرادة مشتركة للرفع من جودة الأداءين القضائي والأمني، وتجاوز الفجوات التي قد تظهر بين النص القانوني والممارسة اليومية.
وتندرج هذه المبادرة ضمن مسار متواصل من التنسيق المؤسساتي بين ولاية أمن أكادير والنيابة العامة لدى محكمة الاستئناف، وهي شراكة تبدو اليوم أكثر من ضرورية في ظل التحولات التشريعية المتسارعة التي يعرفها القانون الجنائي المغربي، والتي تفرض تأهيلاً مستمراً للموارد البشرية المكلفة بإنفاذ القانون.
وفي العمق، تعكس هذه الدورة التكوينية توجهاً واضحاً نحو بناء منظومة عدالة أكثر انسجاماً وفعالية، قوامها التنسيق الدقيق بين الجهاز القضائي والأمني، واحترام الضمانات القانونية وحقوق الإنسان، في معادلة دقيقة تسعى إلى تحقيق الأمن القانوني للمجتمع دون التفريط في مبادئ العدالة.