ساكنة سيدي بيبي وآيت عميرة تحتج بالرباط احتجاجا على المساس بحقوقها في الأرض والموارد
متابعة: رضوان الصاوي
لم تعد قضية الأرض في منطقتي سيدي بيبي وأيت عميرة مجرد خلاف إداري أو نزاع عقاري عابر، بل تحولت إلى ملف اجتماعي وسياسي شديد الحساسية يعيد إلى الواجهة واحدة من أعقد إشكالات العقار في المغرب: إشكالية أراضي الجموع وحدود حقوق الساكنة التاريخية فيها. ففي وقت تتحدث فيه الدولة عن إصلاح منظومة الأراضي السلالية وإدماجها في دينامية التنمية، يشعر جزء من الساكنة بأن الأرض التي ورثتها جيلاً بعد جيل تتحول تدريجياً إلى موضوع قرارات إدارية قد تسلبها حق التصرف فيها.
في هذا السياق أعلنت جمعية أكال للدفاع عن أراضي الأجداد عن مشاركتها في الوقفة الاحتجاجية المزمع تنظيمها أمام البرلمان بالرباط يوم الأحد 26 أبريل، وهي خطوة تعكس انتقال الاحتقان من المجال المحلي إلى الفضاء الوطني. البلاغ الصادر من سيدي بيبي لا يكتفي بإعلان المشاركة في الوقفة، بل يضع أمام الرأي العام لائحة طويلة من المظالم التي تقول الساكنة إنها تعيشها منذ سنوات، بدءاً من تصنيف أراضي سيدي بيبي وأيت عميرة ضمن ما يسمى أراضي الجموع بموجب التحديد الإداري لسنة 1948 الذي يعود إلى فترة الحماية، وهو التصنيف الذي تعتبره فعاليات محلية امتداداً لمنظومة قانونية فرضت في سياق استعماري وما زالت آثارها مستمرة إلى اليوم.
هذا التصنيف يفتح الباب أمام إشكالات معقدة تتعلق بملكية الأرض واستغلالها، إذ أن نظام الأراضي الجماعية يقوم أساساً على ملكية جماعية للسلالات مع إشراف إداري للدولة، وهو ما يجعل حق التصرف الفردي في الأرض محدوداً أو خاضعاً لإجراءات معقدة. بالنسبة لساكنة المنطقة، فإن المشكلة لا تتوقف عند الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى ما تصفه بوجود ممارسات تستغل هذا الوضع القانوني من أجل السيطرة على العقار أو تمرير عمليات تسوية مشكوك في عدالتها. الاتهامات الواردة في البلاغ تشير بشكل صريح إلى ما تعتبره استغلالاً للوضع الحالي من طرف بعض الفلاحين من أجل مصادرة أراضي الساكنة تحت مسمى التسوية، وهو اتهام يعكس حجم الشكوك التي أصبحت تحيط بكل العمليات المرتبطة بتدبير العقار في المنطقة.
ولا تقف المخاوف عند هذا الحد، إذ تشير التنسيقية إلى استمرار العمل بقوانين تصفها بالسالبة لحقوق الساكنة في أراضيها، إضافة إلى ما تعتبره توسعاً متزايداً لمجال المنتزه الطبيعي سوس ماسة على حساب الأراضي التي تستغلها الساكنة منذ عقود. وبين الاعتبارات البيئية التي تبرر بها الدولة توسيع مناطق الحماية الطبيعية وبين مطالب السكان بالحفاظ على أراضيهم كمصدر للعيش والاستقرار، تتشكل معادلة معقدة يصعب إيجاد توازن سريع لها.
الأزمة لا تتجلى فقط في النزاع حول الأرض، بل أيضاً في الإجراءات الإدارية المرتبطة بها. البلاغ يتحدث عن توقف شبه كلي لمنح تراخيص البناء، ووقف رخص الماء الصالح للشرب، وتعليق رخص الربط بشبكات الكهرباء، وهي إجراءات تعتبرها الساكنة تضييقاً مباشراً على حياتها اليومية. عندما تتحول الأرض إلى موضوع نزاع قانوني، فإن أول ما يتأثر هو القدرة على الاستثمار أو البناء أو حتى تحسين شروط العيش، وهو ما يخلق شعوراً متزايداً بالهشاشة لدى السكان.
ما يجري في سيدي بيبي وأيت عميرة يكشف في العمق عن مفارقة كبيرة بين خطاب التنمية وسياسات تدبير العقار. فمن جهة تتحدث الدولة عن مشاريع فلاحية كبرى وعن تثمين الأراضي وإدماجها في الدورة الاقتصادية، ومن جهة أخرى يشعر عدد من المواطنين بأنهم أصبحوا غرباء في أرض يعتبرونها جزءاً من تاريخهم العائلي والقبلي. هذه المفارقة هي التي تجعل ملف الأراضي السلالية في المغرب من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، لأنه لا يتعلق فقط بملكية عقارية بل أيضاً بالذاكرة الجماعية والهوية المحلية.
إعلان الاحتجاج أمام البرلمان يحمل رسالة واضحة مفادها أن الملف لم يعد قضية محلية يمكن احتواؤها داخل الجماعة أو الإقليم، بل أصبح قضية رأي عام تسعى التنسيقيات إلى طرحها على المستوى الوطني. فحين تقرر الساكنة نقل صوتها إلى قلب العاصمة، فإنها تحاول فتح نقاش أوسع حول مستقبل أراضي الجموع في المغرب وحدود الإصلاحات التي تم إطلاقها في السنوات الأخيرة.
قضية سيدي بيبي وأيت عميرة تضع الجميع أمام سؤال مركزي لا يمكن تجاهله: كيف يمكن التوفيق بين متطلبات تحديث المنظومة العقارية وبين حماية الحقوق التاريخية للساكنة؟ وبينما تستند الإدارة إلى الوثائق والتصنيفات القانونية، يستند السكان إلى الذاكرة والاستغلال المتوارث للأرض. وبين هذين المنطقين تتشكل معركة صامتة تتحول تدريجياً إلى صراع اجتماعي مفتوح، عنوانه الأكبر أن الأرض في سوس لم تعد مجرد مجال جغرافي، بل أصبحت قضية كرامة ووجود بالنسبة لساكنتها.
