من المحامين إلى العدول… إصلاح العدالة على صفيح مهني ساخن
متابعة: رضوان الصاوي
لم يعد التوتر داخل منظومة العدالة مجرد احتجاج مهني عابر، بل تحوّل إلى مؤشر على اختلال أعمق في علاقة الإصلاح بالتشاور. فبعد الزخم الذي أحدثه توقف المحامين بدعوة من جمعية هيئات المحامين بالمغرب، دخلت الهيئة الوطنية للعدول على خط التصعيد، بإعلان توقف إنذاري وطني يومي 18 و19 فبراير، احتجاجًا على تمرير مشروع القانون 16.22 المنظم للمهنة بصيغته الحالية.
الهيئة اعتبرت أن المشروع لم يستجب لملاحظاتها الجوهرية، وأن منهجية اعتماده تعكس تغليب منطق الأغلبية العددية على منطق التشاور المؤسساتي. وفي بيانها، تحدثت عن “تمييز تشريعي” يمسّ بالأمن التعاقدي، مطالبة بملاءمة النص مع روح دستور 2011 وتوصيات إصلاح منظومة العدالة.
غير أن دلالة هذا التصعيد لا ترتبط فقط بمضمون القانون، بل بسياقه. فالعدول يتحركون في مناخ مهني سبق أن اهتزّ بتوقف المحامين، الذين استطاعوا، بحكم موقعهم اليومي داخل المحاكم، إحداث ضغط مباشر على السير العادي للجلسات. آنذاك، كان شلل المحاكم رسالة فورية ومرئية.
أما ضغط العدول، فيأخذ طابعًا مختلفًا. فهم ركيزة أساسية في توثيق المعاملات وصيانة الأمن القانوني، وتوقفهم يربك الدورة العقارية والوثائقية ويؤخر مصالح المواطنين، لكنه لا يُحدث الشلل القضائي بالحدة نفسها. تأثيرهم يتسم بالتدرج أكثر من الصدمة، وبالعمق أكثر من الضجيج.
السؤال الجوهري اليوم: هل يستطيع العدول بلوغ سقف الضغط الذي بلغه المحامون؟ الأمر رهين بعاملين حاسمين: وحدة الصف داخل المهنة، واستعدادها للانتقال من التوقف الرمزي إلى تصعيد متدرج ذي نفس طويل. فالتوقف الإنذاري، مهما كانت رمزيته، يظل رسالة أولى. أما معركة الاستمرار، فهي التي قد تعيد رسم موازين القوة.
الحكومة، من جهتها، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة. فالتجاوب لا يُقاس بحجم الاحتجاج فقط، بل بكلفته السياسية والمؤسساتية. إن اعتبرت أن أثر التوقف محدود، فقد تراهن على احتواء الظرف دون تعديل جوهري. أما إذا تزامن ضغط العدول مع توتر داخل مكونات أخرى من المنظومة، فقد تتشكل جبهة مهنية واسعة تفرض إعادة فتح باب الحوار.
ما يجري اليوم يتجاوز خلافًا تقنيًا حول مواد قانونية؛ إنه اختبار لمنهجية الإصلاح ذاتها: هل يُبنى التشريع على التوافق والحوار، أم يُحسم بمنطق الأغلبية العددية؟ بين توقف المحامين وتصعيد العدول، تبدو العدالة المغربية أمام لحظة مفصلية، تتقاطع فيها رهانات الإصلاح مع سؤال الثقة.
وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن أول المتأثرين بأي شدّ للحبل. فاستقرار منظومة العدالة ليس مطلبًا مهنيًا فحسب، بل شرطًا أساسياً للأمن القانوني. وبين الحكومة والمهنيين، تبقى الكلمة الحاسمة لمن ينجح في تحويل الضغط إلى تسوية، لا إلى أزمة مفتوحة.