سجن أيت ملول 1 و2… حين تقود الحكامة الأمنية والرقابة القضائية إلى تحول نوعي داخل أسوار الإصلاح
متابعة: رضوان الصاوي
لم تعد المؤسسات السجنية مجرد فضاءات مغلقة لتنفيذ العقوبة، بل أضحت، في تجارب محددة، مختبرًا حقيقيًا لقياس منسوب الحكامة، ونجاعة التنسيق بين الإدارة السجنية والسلطة القضائية. المؤسسة السجنية أيت ملول 1 و2 تقدم اليوم نموذجًا دالًا على هذا التحول، حيث تتقاطع الإرادة التدبيرية مع الإشراف القضائي، لتفرز دينامية جديدة في التسيير والانفتاح وإعادة الإدماج. حيث يمكن الحديث عن مقاربة جديدة تعيد الاعتبار للبعد الإنساني والمؤسساتي داخل واحدة من أكبر المؤسسات السجنية بالمملكة …
انطلق العمل بالمؤسسة السجنية أيت ملول 1 خلال سنتي 2003-2004، وتعاقب على إدارتها عدد من المديرين، غير أن المنعطف الأبرز في مسارها سُجل مع تعيين المدير الحالي في يوليوز 2024، حيث تم الانتقال من منطق التدبير الإداري الصرف إلى رؤية شمولية تراهن على الانفتاح، التواصل، وتحسين شروط الاعتقال.
وتكتسي هذه التجربة أهمية خاصة إذا ما استحضرنا الحجم البشري للمؤسسة، التي تضم ما يقارب 4000 سجين، ويشرف على تدبير شؤونها أزيد من 300 موظف، موزعين على مختلف المصالح والمرافق، بينهم رؤساء مصالح وأقسام، وهو ما يجعل من عملية التسيير تحديًا يوميًا معقدًا يتطلب كفاءة عالية وانضباطًا مؤسساتيًا صارمًا.
في هذا السياق، تم فتح المؤسسة على محيطها الحقوقي والأكاديمي، وكان من أبرز محطات هذا الانفتاح احتضان الجامعة الربيعية في مارس 2025، بمشاركة أساتذة جامعيين وباحثين مختصين في القانون الجنائي والتشريعات السجنية، خاصة ما يرتبط بالقانون الجنائي الجديد والعقوبات البديلة. هذه المبادرة، التي امتدت على مدى أسبوع كامل، لاقت تفاعلًا إيجابيًا من طرف السجناء المشاركين، وعززت وعيهم القانوني في أجواء جمعت بين النقاش الأكاديمي والأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية.
كما شكل تنظيم إفطار جماعي خلال شهر رمضان محطة رمزية قوية، بحضور عامل عمالة إنزكان أيت ملول السابق إسماعيل أبو الحقوق، إلى جانب السلطات المحلية والقضائية، وفي مقدمتهم وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بإنزكان، ومسؤولي المندوبية العامة لإدارة السجون، وممثلي وسائل الإعلام. حدثٌ أعطى صدى واسعًا، ورسخ صورة جديدة عن علاقة المؤسسة السجنية بمحيطها المؤسساتي.
وعلى المستوى الصحي، استقبلت المؤسسة أكثر من أربع قوافل طبية متعددة التخصصات، لم تقتصر على الفحوصات، بل شملت برمجة عمليات جراحية ميدانية داخل المؤسسة، في خطوة عملية لتخفيف الضغط عن المستشفيات الإقليمية والجهوية، وتقريب الخدمات الصحية من النزلاء.
أما ظروف الإيواء، فقد عرفت تحسنًا ملحوظًا، شمل الارتقاء بمستوى النظافة إلى نسب شبه كاملة، وتحسين جودة التغذية، حيث يتحدث عدد من المفرج عنهم عن وجبات متوازنة من حيث الكم والنوع. كما تم تحديث متجر المؤسسة وتزويده بسلع ومقتنيات جديدة، لقيت استحسان السجناء وذويهم.
وفي ما يخص استقبال الزوار، تم تسجيل تطور واضح في تسهيل الولوج وتقليص فترات الانتظار، مراعاة للأسر القادمة من مناطق بعيدة، وهو ما انعكس إيجابًا على الأجواء العامة داخل المؤسسة. وتشير مصادر مطلعة إلى تراجع ملموس في عدد الشكايات والملفات المعروضة على النيابة العامة، سواء المرتبطة بالزوار أو بالنزاعات بين السجناء، نتيجة اعتماد مقاربة استباقية في تدبير الإشكالات.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري للنيابة العامة بإنزكان، بقيادة وكيل الملك الدكتور هشام الحسني، باعتبارها مشرفة على هذه التحولات والإنجازات النوعية، في إطار تتبع قانوني صارم ومتوازن، يجمع بين حماية النظام العام وصون الحقوق. وهو ما اعتبره متتبعون نتيجة منطقية لرجل دولة تتقاطع فيه الكفاءة العلمية والمهنية مع روح المسؤولية، داخل مؤسسة سالبة للحرية تتطلب قرارات دقيقة وحسًا عاليًا بالعدالة.
إن ما تعرفه المؤسسة السجنية أيت ملول 1 و2 اليوم، يؤكد أن الإصلاح السجني ليس شعارًا، بل ممارسة يومية قوامها الحكامة، التنسيق المؤسساتي، والرقابة القضائية الرشيدة. تجربة تبرهن أن السجن يمكن أن يتحول من فضاء للعقوبة فقط، إلى رافعة للإصلاح وإعادة الإدماج، حين تتوفر الإرادة، وتُحترم الأدوار، ويُوضع الإنسان في صلب المعادلة.