أطباء يتحولون إلى إداريين: أزمة تدبير عميقة تعصف بالقطاع الصحي المغربي

 

متابعة : هيام بحراوي

 

في الوقت الذي يتحدث فيه مسؤولو قطاع الصحة عن الخصاص المهول في الموارد البشرية الطبية، خاصة الأطباء، تكشف معطيات متداولة وملاحظات ميدانية عن ظاهرة مقلقة تتمثل في تحويل عدد كبير من الأطباء إلى مهام إدارية وتدبيرية بعيدة عن تخصصهم الأصلي، ما يزيد من تعميق أزمة الخدمات الصحية في المستشفيات العمومية بالمغرب.

ففي مجموعة من المندوبيات والمديريات الجهوية والمؤسسات الاستشفائية، يتبين حسب مصادر صحية، أن معظم من يشغلون مناصب المسؤولية والتدبير هم أطباء، تم تكليفهم بالإشراف الإداري على مؤسسات أو أقسام، رغم أن تكوينهم العلمي والميداني مرتبط بالطب وليس بالتسيير أو الإدارة.

وتشير وثائق صادرة عن المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة تطوان الحسيمة إلى أن من أصل 23 منصب مسؤولية، يشغل الأطباء 22 منها، في ما يبدو نموذجا مصغرا لما يجري في مختلف الجهات والمناطق الصحية عبر المملكة، حيث تؤول أغلب مواقع القرار في القطاع لأطباء تم انتزاعهم من أقسامهم ومهامهم العلاجية.

ويعتبر عدد من المهتمين أن هذا الوضع يعكس اختلالا هيكليا في تدبير الموارد البشرية، إذ يفترض أن يشغل المناصب الإدارية أشخاص مكونون في مجالات التدبير والمالية والحوكمة الصحية، كما هو معمول به في الدول المتقدمة، حيث يتولى إدارة المستشفيات والمراكز الصحية مديرون متخصصون (managers et gestionnaires) خريجو معاهد التدبير والمناجمنت، فيما يتفرغ الأطباء لمهامهم الطبية والعلاجية.

وفي تدوينة لقيت تفاعلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، كتب أحد الفاعلين الصحيين أن “الأزمة ليست فقط في قلة الأطباء، بل في سوء توجيه الموارد المتاحة”، مضيفًا أن “المسؤولية الإدارية التي توكل للأطباء تحرم المرضى من خدماتهم وتضعف المردودية داخل المستشفيات”.

ويحذر متتبعون من أن استمرار هذا النمط من التسيير سيؤدي إلى مزيد من ترهل المنظومة الصحية العمومية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل كفاءة طبية ممكنة لتغطية الخصاص الحاد في المستشفيات والمراكز الصحية، خاصة في المناطق القروية والنائية.

كما يطرح سؤال جوهري حول أسباب هذا التوجه الإداري الذي يجعل الطبيب، بدلا من ممارسة الطب، يتولى مهام تسيير مالية أو تدبيرية تتطلب تكوينا مختلفا تماما، وهو ما وصفه بعض المهنيين بـ“الخلط بين التخصص والمهمة”.

ويرى مراقبون أن هذه السياسة تعود إلى إرث إداري قديم تم فيه ربط المسؤولية الإدارية بالصفة الطبية، في غياب إرادة حقيقية لتحديث الهيكلة التنظيمية للقطاع الصحي بما ينسجم مع النموذج الدولي القائم على الفصل بين المهام الطبية والتدبيرية.

ويجمع خبراء في تسيير المستشفيات على أن الإصلاح الحقيقي للمنظومة الصحية لن يتحقق إلا من خلال إعادة توزيع الأدوار وتحديد الاختصاصات بوضوح، مع تكوين جيل جديد من المديرين الإداريين القادرين على تدبير المؤسسات الصحية بكفاءة، وترك المجال للأطباء للقيام بوظيفتهم الأساسية: رعاية المرضى وإنقاذ الأرواح.

وبينما تظل الحكومة منشغلة بإصلاحات كبرى في إطار مشروع الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة، يؤكد المتتبعون أن هذه الأوراش لن تؤتي أكلها ما لم يتم إصلاح الخلل الداخلي في منظومة التدبير البشري داخل القطاع الصحي، وإعادة الاعتبار لمهنة الطب كوظيفة إنسانية ومهنية قبل كل شيء.

ففي النهاية، لا يمكن بناء نظام صحي قوي بأطباء يجلسون خلف المكاتب بدل قاعات الفحص والجراحة، ولا بإدارات تدار بالعلاقات بدل الكفاءات.
الإصلاح الحقيقي، كما يردد كثير من المهنيين، “لن يتحقق ما لم يفصل الطبيب عن الإدارة، ويعاد النظام إلى نصابه”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.